ابن أبي الحديد

135

شرح نهج البلاغة

ويبهت اللبيب ، يعاجلون بالسيف صلتا ، وقد كانوا قبل ذلك في غضارة من عيشهم يمرحون . فيالها مصيبة حينئذ ! من البلاء العقيم ، والبكاء الطويل ، والويل والعويل ، وشدة الصريخ ، في ذلك أمر الله - وهو كائن ، وقتا - مريج ( 1 ) . فيا بن حرة ( 2 ) الإماء ، متى تنتظر ! أبشر بنصر قريب من رب رحيم . ألا فويل للمتكبرين ، عند حصاد الحاصدين ، وقتل الفاسقين . عصاة ذي العرش العظيم ، فبأبي وأمي من عدة قليلة ! أسماؤهم في الأرض مجهولة ، قد دان حينئذ ظهورهم ، ولو شئت لأخبرتكم بما يأتي ويكون من حوادث دهركم ونوائب زمانكم ، وبلايا أيامكم ، وغمرات ساعاتكم ، ولكنه أفضيه إلى من أفضيه إليه ، مخافة عليكم ، ونظرا لكم ، علما منى بما هو كائن وما يكون من البلاء الشامل ، ذلك عند تمرد الأشرار ، وطاعة أولى الخسار . ذاك أوان الحتف والدمار ، ذاك إدبار أمركم ، وانقطاع أصلكم ، وتشتت ألفتكم ، وإنما يكون ذلك عند ظهور العصيان ، وانتشار الفسوق ، حيث يكون الضرب بالسيف أهون على المؤمنين من اكتساب درهم حلال ، حين لا تنال المعيشة إلا بمعصية الله في سمائه ، حين تسكرون من غير شراب ، وتحلفون من غير اضطرار ، وتظلمون من غير منفعة ، وتكذبون من غير إحراج . تتفكهون بالفسوق ، وتبادرون بالمعصية . قولكم البهتان ، وحديثكم الزور ، وأعمالكم الغرور ، فعند ذلك لا تأمنون البيات ، فيا له من بيات ما أشد ظلمته ! ومن صائح ما أفظع صوته ! ذلك بيات لا ينمى صاحبه ، فعند ذلك تقتلون ، وبأنواع البلاء تضربون ، وبالسيف تحصدون ، وإلى النار تصيرون ، ويعضكم البلاء كما يعض الغارب القتب ( 3 ) . يا عجبا كل العجب ، بين جمادى ورجب ! من جمع أشتات ، وحصد نبات ، ومن أصواب بعدها أصوات ثم قال : سبق القضاء سبق القضاء .

--> ( 1 ) كذا وردت العبارة في الأصول ، وفيها غموض . ( 2 ) كذا في ب ، وفى ج ، : ( خرت الإماء ) ، وفى ا كلمة غير واضحة . ( 3 ) الغارب هنا : كاهل البعير والقتب : رحل صغير على قدر السنام ، والكلام هنا جار على المثل .