ابن أبي الحديد
124
شرح نهج البلاغة
قد كان عندك للمعروف معرفة * وكان عندك للمنكور تنكير وكنت تغشى وتعطى المال من سعة * فاليوم قبرك أضحى وهو مهجور والناس بعدك قد خفت حلومهم * كأنما نفخت فيه الأعاصير ( 1 ) وسألت قطب الدين نقيب الطالبيين أبا عبد الله الحسين بن الأقساسي رحمه الله تعالى عن ذلك ، فقال : صدق من أخبرك نحن وأهلها كافة نعرف مقابر ثقيف إلى الثوية ، وهي إلى اليوم معروفة ، وقبر المغيرة فيها ، إلا أنها لا تعرف ، وقد ابتلعها السبخ وزبد الأرض وفورانها ، فطمست واختلط بعضها ببعض . ثم قال : إن شئت أن تتحقق أن قبر المغيرة في مقابر ثقيف فانظر إلى كتاب الأغاني لأبي الفرج علي بن الحسين ، والمح ما قاله في ترجمة المغيرة ، وأنه مدفون في مقابر ثقيف ، ويكفيك قول أبى الفرج ، فإنه الناقد البصير ، والطبيب الخبير ، فتصفحت ترجمة المغيرة في الكتاب المذكور ، فوجدت الامر كما قاله النقيب . * * * قال أبو الفرج : كان مصقلة بن هبيرة الشيباني ( 2 ) قد لاحى المغيرة في شئ كان بينهما منازعة ، فضرع له المغيرة وتواضع في كلامه ، حتى طمع فيه مصقلة ، فاستعلى عليه وشتمه ، وقال : إني لأعرف شبهي في عروة ابنك ، فأشهد المغيرة على قوله هذا شهودا ، ثم قدمه إلى شريح القاضي ، فأقام عليه البينة ، فضربه شريح الحد ، وآلى مصقلة ألا يقيم ببلدة فيها المغيرة ، فلم يدخل الكوفة ، حتى مات المغيرة ، فدخلها ، فتلقاه قومه فسلموا عليه ، فما فرغ من السلام حتى سألهم عن مقابر ثقيف ، فأرشدوه إليها ، فجعل قوم من مواليه
--> ( 1 ) قال المبرد : قوله : كأنما نفخت فيه الأعاصير ، هذا مثل ، وإنما يريد خفة الحلوم . والإعصار - فيما ذكر أبو عبيدة - ريح بشدة فيما بين السماء والأرض ) . ( 2 ) الأغاني 44 : 139 ( ساسي ) .