ابن أبي الحديد

110

شرح نهج البلاغة

في واد وأنت لي في واد آخر ، أقبلت السوداء والبيضاء ، فتصيح وتطرق ، فإذا سكت عنك وثبت تريد الخروج ! والله لتخرجن أو لألجن عليك البيت . فلما طال وقوفه جاءت إحدى الإماء فقالت : أعرابي مجنون والله ، ما أرى في البيت شيئا فدفعت الباب فخرج الكلب شاردا ، وحاد عنه أبو الأعز ساقطا على قفاه شائلة رجلاه ، وقال : تالله ما رأيت كالليلة هذه ! ما أراه إلا كلبا ، ولو علمت بحاله لولجت عليه ( 1 ) ونظير هذه الحكاية حكاية أبى حية النميري ، وكان جبانا ، قيل : كان لأبي حية سيف ليس بينه وبين الخشب فرق ، كان يسميه لعاب المنية ، فحكى عنه بعض جيرانه أنه قال : أشرفت عليه ليلة ، وقد انتضاه وهو واقف بباب بيت في داره ، وقد سمع فيه حسا ، وهو يقول : أيها المغتر بنا ، المجترئ علينا ، بئس والله ما اخترت لنفسك ! خير قليل وسيف صقيل ، لعاب المنية الذي سمعت به مشهورة صولته ، ولا تخاف نبوته . اخرج بالعفو عنك ، لا أدخل بالعقوبة عليك ، إني والله إن أدع قيسا ، تملأ الفضاء عليك خيلا ورجلا . سبحان الله ! ما أكثرها وأطيبها ، والله ما أنت ببعيد من تابعها ، والرسوب في تيار لجتها ! وقال : وهبت ريح ففتحت الباب ، فخرج كلب يشتد ، فلبط بأبي حية واربد ، وشغر برجليه ، وتبادرت إليه نساء الحي ، فقلن : يا أبا حية ، لتفرخ روعتك ، إنما هو كلب ، فجلس وهو : يقول الحمد لله الذي مسخك كلبا ، وكفاني حربا ( 2 ) ! * * * وخرج مغيرة بن سعيد العجلي في ثلاثين رجلا بظهر الكوفة ، فعطعطوا ، وخالد بن عبد الله القسري أمير العراق ، يخطب على المنبر فعرق ، واضطرب وتحير ، وجعل يقول : أطعموني ماء ، فهجاه ابن نوفل فقال :

--> ( 1 ) عيون الأخبار 1 : 168 ، 169 ( 2 ) عيون الأخبار 1 : 168