ابن أبي الحديد

109

شرح نهج البلاغة

ومن طريف حكايات الجبناء ما ذكره ابن قتيبة أيضا في الكتاب المذكور ، قال : كان بالبصرة شيخ من بنى نهشل بن دارم ، يقال له عروة بن مرثد ، ويكنى أبا الأعز ، ينزل في بنى أخت له من الأزد في سكة بنى مازن ، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان ، وخرج النساء يصلين في مسجدهم ، ولم يبق في الدار إلا إماء ، فدخل كلب يتعسس فرأى بيتا مفتوحا فدخله وانصفق الباب عليه ، فسمع بعض الإماء الحركة ، فظنوا أنه لص دخل الدار ، فذهبت إحداهن إلى أبى الأعز ، فأخبرته ، فقال أبو الأعز : إلام يبتغى اللص عندنا ، وأخذ عصاه ، وجاء حتى وقف بباب البيت ، وقال : إيه يا فلان ! أما والله ، إني بك لعارف ، فهل أنت من لصوص بنى مازن ! شربت حامضا خبيثا ، حتى إذا دارت في رأسك منتك نفسك الأماني ، وقلت : أطرق دور بنى عمرو ، والرجال خلوف والنساء يصلين في مسجدهن ، فأسرقهم . سوءة لك ! والله ما يفعل هذا ولد الأحرار ! وأيم الله لتخرجن أو لأهتفن هتفة مشؤومة يلتقي فيها الحيان عمرو وحنظلة ، وتجئ سعد عدد الحصى ، وتسيل عليك الرجال ، من هنا وهنا ، ولئن فعلت لتكونن ، أشام مولود ! فلما رأى أنه لا يجيبه ، أخذه باللين ، فقال : اخرج - بأبي أنت - مستورا ، والله ما أراك تعرفني ، ولو عرفتني لقنعت بقولي ، واطمأننت إلى ابن أختي البار الوصول ، أنا - فديتك - أبو الأعز النهشلي ! وأنا خال القوم ، وجلدة بين أعينهم ، لا يعصونني ، ولا تضار الليلة وأنت في ذمتي ، وعندي قوصرتان ، أهداهما إلى ابن أختي البار الوصول ، فخذ إحداهما ، فانبذها حلالا من الله ورسوله . وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق ، وإذا سكت أبو الأعز وثب يريد المخرج ، فتهاتف أبو الأعز ، ثم تضاحك ، وقال : يا ألام الناس وأوضعهم ! ألا أراني لك منذ الليلة