ابن أبي الحديد

108

شرح نهج البلاغة

فأرسل إليها الوليد : إنه الحجاج ، فأعادت عليه الرسول : والله لان يخلو بك ملك الموت أحب إلى من أن يخلو بك الحجاج ! فضحك وأخبر الحجاج بقولها وهو يمازحه ، فقال الحجاج : يا أمير المؤمنين ، دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول ، فإنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، فلا تطلعها على سرك ، ومكايدة عدوك . فلما انصرف الحجاج ودخل الوليد على امرأته أخبرها بمقالة الحجاج ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، حاجتي إليك اليوم أن تأمره غدا أن يأتيني مستلئما ، ففعل ذلك ، وأتاها الحجاج فحجبته ثم أدخلته ، ولم تأذن له في القعود ، فلم يزل قائما ، ثم قالت : إيه يا حجاج ! أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتلك ابن الزبير وابن الأشعث ! أما والله لولا أن الله علم أنك شر خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام ، ولا بقتل ابن ذات النطاقين أول مولود في الاسلام ، وأما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذاته وأوطاره ، فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالقبول منك ! وإن كن ينفرجن عن مثله ، فهو غير قابل لقولك . أما والله لو نفض نساء أمير المؤمنين الطيب من غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من القرن ، قد أظلتك الرماح ، وأثخنك الكفاح ، وحين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، فأنجاك الله من عدو أمير المؤمنين بحبهم إياه ، قاتل الله القائل حين ينظر إليك وسنان غزالة ( 1 ) بين كتفيك : أسد على وفى الحروب نعامة * ربداء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغا * أم كان قلبك في جناحي طائر ! ثم قالت لجواريها : أخرجنه ، فأخرج ( 2 ) : * * *

--> ( 1 ) غزالة : امرأة شبيب الخارجي ( 2 ) عيون الأخبار 1 : 169 ، 170