ابن أبي الحديد

84

شرح نهج البلاغة

قال أبو العباس : ويروى أن مرداسا مر بأعرابي يهنأ ( 1 ) بعيرا له ، فهرج ( 2 ) البعير ، فسقط مرداس مغشيا عليه ، فظن الاعرابي أنه صرع ، فقرأ في أذنه ، فلما أفاق قال له الا عربي : إني قرأت في أذنك ، فقام مرداس : ليس بي ما خفته على ، ولكني رأيت بعيرا هرج من القطران ، فذكرت به قطران جهنم ، فأصابني ما رأيت ، فقال الاعرابي : لا جرم ! والله لا أفارقك أبدا . قال أبو العباس : وكان مرداس قد شهد مع علي عليه السلام صفين ، ثم أنكر التحكيم ، وشهد النهروان ، ونجا فيمن نجا ، ثم حبسه ابن زياد ، كما ذكرناه ، وخرج من حبسه ، فرأى جد ابن زياد في طلب الشراة ، فعزم على الخروج ، فقال لأصحابه : أنه والله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين ، تجرى علينا أحكامهم ، مجانبين للعدل ، مفارقين للقصد ( 3 ) ، والله إن الصبر على هذا لعظيم ، وإن تجريد السيف وإخافة الناس لعظيم ، ولكنا ننبذ عنهم ، ولا نجرد سيفا ، ولا نقاتل إلا من قاتلنا . فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا ، منهم حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصريمي ، وأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى ، فولوا أمرهم مرداسا ، فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصاري - وكان له صديقا - فقال : يا أخي ، أين تريد ؟ قال : أريد أن أهرب بديني ودين أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة ، فقال ، أعلم بكم أحد ؟ قال : لا ، قال : فارجع ، قال : أو تخاف على نكرا ( 4 ) ؟ قال : نعم ، وأن يؤتى بك . قال : لا تخف ، فإني لا أجرد سيفا ، ولا أخيف أحدا ، ولا أقاتل إلا من قاتلني . ثم مضى حتى نزل آسك وهي ما بين رامهرمز وأرجان ، فمر به مال يحمل إلى ابن

--> ( 1 ) هنأ البعير ، طلاه بالهناء ، والهناء : القطران . ( 2 ) هرج : تحير وسدر من حرارة القطران . ( 3 ) الكامل : ( للفصل ) ، إلى الحق ( 4 ) ا ، ج : ( نكيرا ) ، والكامل : ( مكروها ) .