ابن أبي الحديد

85

شرح نهج البلاغة

زياد ، وقد قارب أصحابه الأربعين ، فحط ذلك المال ، وأخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ، ورد الباقي على الرسل ، وقال : قولوا لصاحبكم : إنا قبضنا أعطياتنا ، فقال بعض أصحابه : علا م ندع الباقي ؟ فقال : إنهم يقيمون هذا الفئ ، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم على الصلاة . قال أبو العباس : ولأبي بلال مرداس في الخروج أشعار ، اخترت منها قوله : أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى * ومن خاض في تلك الحروب المهالكا ( 1 ) أحب بقاء أو وأرجى سلامة * وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فيا رب سلم نيتي وبصيرتي * وهب لي التقى حتى ألاقي أولائكا قال أبو العباس : ثم إن عبيد الله بن زياد ، ندب جيشا إلى خراسان ، فحكى بعض من كان في ذلك الجيش ، قال : مررنا بآسك ، فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا ، فصاح بنا أبو بلال : أقاصدون لقتالنا أنتم ؟ قال : وكنت أنا وأخي قد دخلنا زربا ( 2 ) فوقف أخي ببابه ، فقال : السلام عليكم ، فقال مرداس : وعليكم السلام ، ثم قال لأخي : أجئتم لقتالنا ؟ قال : لا إنما نريد خراسان ، قال : فأبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ، ولا لنروع أحدا ، ولكن هربا من الظلم . ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا ، ولا نأخذ من الفئ إلا أعطياتنا ، ثم قال : أندب لنا ( 3 ) أحد ؟ قلنا : نعم ، أسلم بن زرعة الكلابي ، قال : فمتى ترونه يصل إلينا ؟ قلنا : يوم كذا وكذا ، فقال أبو بلال : حسبنا الله ونعم الوكيل . قال أبو العباس : وجهز عبيد الله بن زياد أسلم بن زرعة في أسرع مدة ووجهه إليهم

--> ( 1 ) يريد عبيد الله بن وهب الراسي ، أحد بنى راسب ، بطن من الأزد ، زعيم الخوارج في مبدأ أمرهم ، وانظر الكامل 526 ، 527 . ( 2 ) الزرب : مكمن يحتفره الصائد يتوارى فيه ليختل الصيد . ( 3 ) الكامل : ( إلينا ) .