ابن أبي الحديد

83

شرح نهج البلاغة

المسرف على نفسه ، الجبار العنيد قد ذكرك ، قالت : إن يأخذني فهو أشقى به ، فأما أنا فما أحب أن يعنت إنسان بسببي ( 1 ) ، فوجه إليها عبيد الله بن زياد ، فأتى بها فقطع يديها ورجليها ، ورمى بها في السوق ، فمر بها أبو بلال والناس مجتمعون ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : البلجاء ، فعرج إليها فنظر ثم عض على لحيته ، وقال لنفسه : هذه لهذه أطيب نفسا من بقية الدنيا منك يا مرداس . قال : ثم أن عبيد الله أخذ مرداسا فحبسه ( 2 فرأى صاحب السجن منه شدة اجتهاده ، وحلاوة منطقه ، فقال له : إني أرى لك مذهبا حسنا 2 ) ، وإني لأحب أن أوليك معروفا ، أفرأيتك إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أتدلج ( 3 ) إلى ؟ قال : نعم ، فكان يفعل ذلك [ به ] ( 2 ) . ولج عبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم ، وكلم في بعضهم فأبى وقال : أقمع ( 4 ) النفاق قبل أن ينجم ، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع ( 5 ) . فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشرطة ، فقال ابن زياد : ما أدرى ما أصنع بهؤلاء ! كلما أمرت رجلا بقتل رجل منهم قتلوا بقاتله ، لأقتلن من في حبسي منهم . وأخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل ، فأتى مرداسا الخبر ، فلما كان في السحر ، تهيأ للرجوع إلى السجن ، فقال له أهله : اتق الله في نفسك ، فإنك إذا رجعت قتلت ، فأبى وقال : والله ما كنت لألقى الله غادرا . فرجع إلى السجان ، فقال : إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك ، قال : أعلمت ، ثم جئت ( 6 ) .

--> ( 1 ) ب : ( في ) ( 2 - 2 ) ا ، ج : ( فرأى منه الحباس مذهبا حسنا ) ( 3 ) تدلج : تسير أول الليل . ( 4 ) كذا في الكامل ، وفى الأصول كلمة غير واضحة . ( 5 ) اليراع : القصب ، واحدته يراعة . ( 6 ) الكامل 584 ، 585