ابن أبي الحديد
69
شرح نهج البلاغة
قول عبد الله بن سلام لصاحب الثوب المعصفر : ( لو أنك جعلت ثوبك في تنور أهلك ) كناية ، وقول الرضى في امرأة ماتت : * أن لم تكن نصلا فغمد نصول * كناية ، وإن كانت مستقبحة ، وقول النبي صلى الله عليه وآله : ( يا أنجشة رفقا بالقوارير ) ، وهو يحدو بالنساء كناية ، فهل يجيز عاقل قط أو يتصور في الأذهان أن تكون المرأة غمدا للسيف ! وهل ( يحمل ( 1 ) أحد ) قط قوله للحادي ( رفقا بالقوارير ) على أنه يمكن أن يكون نهاه عن العنف بالزجاج ، أو يحمل أحد قط قول ابن سلام على أنه أراد إحراق الثوب بالنار ، أو يحمل قط أحد قوله : ( الميل في المكحلة ) على حقيقتها ، أو يحمل قط أحد قوله : ( لا يحل لك فض الخاتم ) على حقيقته ! وهل يشك عاقل قط في أن هذه الألفاظ ليست دائرة بين المحملين دوران اللمس والجماع والمصافحة ، وهذه مناقضة ظاهرة ، ولا جواب عنها إلا بإخراج هذه المواضع من باب الكناية ، أو بحذف ذلك الشرط الذي اشترطته في حد الكناية . فأما ما ذكره حكاية عن غيره في حد الكناية بأنها اللفظ الدال على الشئ بغير الوضع الحقيقي ، بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه . وقوله : هذا الحد هو حد التشبيه ، فلا يجوز أن يكون حد الكناية . فلقائل أن يقول : إذا قلنا : زيد أسد ، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي ، وذلك المدلول هو بعينه الوصف المشترك بين المشبه والمشبه به ، ألا ترى أن المدلول هو الشجاعة وهي المشترك بين زيد والأسد ، وأصحاب الحد قالوا في حدهم : الكناية هي اللفظ الدال على الشئ بغير الوضع الحقيقي ، باعتبار وصف جامع بينهما ، فجعلوا المدلول أمرا
--> ( 1 ) ب : ( يحمل قط ) .