ابن أبي الحديد
70
شرح نهج البلاغة
والوصف الجامع أمرا آخر باعتباره وقت الدلالة ، ألا ترى أن لفظ ( لامستم ) يدل على الجماع الذي لم يوضع لفظ ( لامستم ) له ، وإنما يدل عليه باعتبار أمر آخر ، هو كون الملامسة مقدمة الجماع ومفضية إليه ، فقد تغاير إذن حد التشبيه ( 1 ) وحد الكناية ، ولم يكن أحدهما هو الآخر . فأما قوله : إن الكناية قد تكون بالمفردات ، والتعريض لا يكون بالمفردات ، فدعوى ، وذلك أن اللفظ المفرد لا ينتظم منه فائدة ، وإنما تفيد الجملة المركبة من مبتدأ وخبر ، أو من فعل وفاعل ، والكناية والتعريض في هذا الباب سواء ، وأقل ما يمكن أن يقيد في الكناية قولك : لامست هندا ، وكذلك أقل ما يمكن أن يفيد في التعريض : ( أنا عزب ) ، كما قد ذكره هو في أمثلة التعريض . فإن قال : أردت أنه قد يقال : اللمس يصلح أن يكنى به عن الجماع ، واللمس لفظ مفرد . قيل له : وقد يقال التعزب يصلح أن يعرض به في طلب النكاح . فأما قوله : إن بيت نصر بن سيار ، إذا نظر إليه لمفرده صلح أن يكون كناية ، وإنما يخرجه عن كونه كناية ضم الأبيات التي بعده إليه ، ويدخله في باب الاستعارة ، فلزم عليه أن يخرج قول عمر : ( حولت رحلي ) عن باب الكناية بما انضم إليه من قوله : ( هلكت ) ، وبما أجابه رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله : ( أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ) ، وبقرينة الحال . وكان يجب ألا تذكر هذه اللفظة في أمثلة الكنايات . فأما بيت امرئ القيس فلا وجه لإسقاطه من باب الكناية وإدخاله في باب
--> ( 1 ) ا ، ج ( هو والكناية ) .