ابن أبي الحديد

6

شرح نهج البلاغة

وروى أصحابنا في كتب المقالات أنه لما حرقهم صاحوا إليه الآن ظهر لنا ظهورا بينا أنك أنت الاله ، لان ابن عمك الذي أرسلته قال : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ) . روى أبو العباس ، عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي ( 1 ) عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه ومشيخته ، ان عليا مر بهم وهم يأكلون في شهر رمضان نهارا ، فقال : أسفر أم مرضى ؟ قالوا : ولا واحدة منهما قال : أفمن أهل الكتاب أنتم ؟ قالوا : لا ، قال : فما بال الاكل في شهر رمضان نهارا ! قالوا : أنت أنت ! لم يزيدوه على ذلك ، ففهم مرادهم ، فنزل عن فرسه ، فالصق خده بالتراب ، ثم قال ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله ، فاتقوا الله ، وارجعوا إلى الاسلام ، فأبوا فدعاهم مرارا ، فأقاموا على أمرهم ، فنهض عنهم ، ثم قال : شدوهم وثاقا ، وعلى بالفعلة والنار والحطب ، ثم أمر بحفر بئرين ، فحفرتا ، فجعل أحداهما سربا ( 2 ) والآخر مكشوفة ، وألقى الحطب في المكشوفة ، وفتح بينهما فتحا ، وألقى النار في الحطب ، فدخن عليهم ، وجعل يهتف بهم ، ويناشدهم : ارجعوا إلى الاسلام ، فأبوا ، فأمر بالحطب والنار ، وألقى عليهم ، فاحترقوا ، فقال الشاعر : لترم بي المنية حيث شاءت * إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما حشتا حطبا بنار ( 3 ) * فذاك الموت نقدا غير دين قال : فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما . قال أبو العباس ثم إن جماعة من أصحاب على ، منهم عبد الله بن عباس ، شفعوا في عبد الله بن سبا خاصة ، وقالوا : يا أمير المؤمنين ، إنه قد تاب فاعف عنه ، فأطلقه بعد أن اشترط عليه ألا يقيم بالكوفة ، فقال : أين أهب ؟ قال : المدائن ، فنفاه إلى المدائن ،

--> ( 1 ) المصيصي ، بكسر الميم والصاد المشددة وسكون الياء : منسوب إلى المصيصة : مدينة على الساحل . ( 2 ) السرب ، بفتحتين : الحفير تحت الأرض . ( 3 ) حش النار ، أي أوقدها .