ابن أبي الحديد
7
شرح نهج البلاغة
فلما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أظهر مقالته ، وصارت له طائفة وفرقة يصدقونه ويتبعونه ، وقال لما بلغه قتل على : والله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة ، لعلمنا أنه لم يمت ، ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه . فلما بلغ ابن عباس ، ذلك قال : لو علمنا أنه يرجع لما تزوجنا نساءه ، ولا قسمنا ميراثه . قال أصحاب المقالات : واجتمع إلى عبد الله بن سبأ بالمدائن جماعة على هذا القول منهم عبد الله بن صبرة الهمداني ، وعبد الله بن عمرو بن حرب الكندي ، وآخرون غيرهما ، وتفاقم أمرهم . وشاع بين الناس قولهم ، وصار لهم دعوة يدعون إليها ، وشبهة يرجعون إليها ، وهي ما ظهر وشاع بين الناس ، من إخباره بالمغيبات حالا بعد حال ، فقالوا : إن ذلك لا يمكن أن يكون إلا من الله تعالى ، أو من حلت ذات الاله في جسده ، ولعمري إنه لا يقدر على ذلك إلا بإقدار الله تعالى إياه عليه ، ولكن لا يلزم من إقداره إياه عليه أن يكون هو الاله ، أو تكون ذات الاله حالة فيه ، وتعلق بعضهم بشبهة ضعيفة ، نحو قول عمر وقد فقأ على عين إنسان ألحد في الحرم : ما أقول في يد الله ، فقأت عينا في حرم الله ! ونحو قول على : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ، بل بقوة إلهية ونحو قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ( لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ) والذي هزم الأحزاب هو علي بن أبي طالب ، لأنه قتل شجاعهم وفارسهم عمرا لما اقتحموا الخندق ، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مفلولين ، من غير حرب سوى قتل فارسهم . وقد أومأ بعض شعراء الامامية إلى هذه القالة ، فجعلها من فضائلة ، وذلك قولة : إذا كنتم ممن يرم لحاقه * فهلا برزتم نحو عمر ومرحب ( 1 )
--> ( 1 ) عمرو بن ود ومرحب اليهودي ، قتل على أولهما يوم الخندق وثانيهما يوم خيبر ، خبرهما مشهور معروف .