ابن أبي الحديد

37

شرح نهج البلاغة

أمير المؤمنين عبد الملك قال : إن الحجاج جلدة ما بين عيني وأنفى ، ألا وإني أقول : إن الحجاج جلدة وجهي كله ) ( 1 ) . وعلى ذكر هذا البيت حكى أن رجلا كان يسقى جلساءه شرابا صرفا غير ممزوج ، وكان يحتاج إلى المزج لقوته ، فجعل يغنى لهم : يديرونني عن سالم وأديرهم * وجلدة بين العين والأنف سالم ( 2 ) فقال له واحد منهم : يا أبا فلان ، لو نقلت ( ما ) من غنائك إلى شرابك ، لصلح غناؤنا ونبيذنا جميعا ( 3 ) . ويشبه حكاية قتيبة والحجاج كتاب عبد الملك إلى الحجاج ، جوابا عن كتاب كتبه إليه يغلظ فيه أمر الخوارج ، ويذكر فيه حال قطري وغيره ، وشدة شوكتهم ، فكتب إليه عبد الملك : ( أوصيك بما أوصى به البكري زيدا ، والسلام ) . فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك ، فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب ، فلم يعلموه ، فقال : من جاءني بتفسيره فله عشره آلاف درهم ، وورد رجل من أهل الحجاز يتظلم من بعض العمال ، فقال له قائل : أتعلم ما أوصى به البكري زيدا ؟ قال : نعم أعلمه ، فقيل له : فأت الأمير ، فأخبره ولك عشره آلاف درهم ، فدخل عليه فسأله ، فقال : نعم أيها الأمير ، إنه يعنى قوله : أقول لزيد لا تترتر فإنهم * يرون المنايا دون قتلك أو قتلى ( 4 ) فإن وضعوا حربا فضعها ، وإن أبوا * فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلي وإن رفعوا الحرب العوان التي ترى * فشب وقود النار بالحطب الجزل فقال الحجاج : أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني ، وأصاب البكري فيما أوصى به زيدا ، وأصبت أيها الاعرابي ، ودفع إليه الدراهم .

--> ( 1 ) البيان والتبيين 1 : 292 ( 2 ) كذا في الأصول وكتاب الكنايات ، ويبدو أن الأصوب زيادة كلمة ( ما ) بعد كلمة ( وجلدة ) على سبيل الخطأ من المغني ، ليكون الخبر مفهوما . ( 3 ) كنايات الجرجاني 82 . ( 4 ) الأبيات لموسى بن جابر ، حماسة أبى تمام بشرح المرزوقي 336 ، والترترة : العجلة .