ابن أبي الحديد
38
شرح نهج البلاغة
وكتب إلى المهلب : إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا ، وأنا أوصيك بذلك ، وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه . فنظر المهلب في وصية الحارث بن كعب ، فإذا فيها : يا بنى كونوا جميعا ، ولا تكونوا شيعا فتفرقوا ، وبزوا قبل أن تبزوا . الموت في قوة وعز ، خير من الحياة في ذل وعجز . فقال المهلب : صدق البكري وأصاب ، وصدق الحارث وأصاب . واعلم أن كثيرا مما ذكرناه داخل في باب التعريض ، وخارج عن باب الكناية ، وإنما ذكرناه لمشابهة الكناية وكونهما كالنوعين تحت جنس عام ، وسنذكر كلاما كليا فيهما إذا انتهينا إلى آخر الفصل إن شاء الله . ومن الكنايات قول أبى نواس : وناظرة إلى من النقاب * تلاحظني بطرف مستراب ( 1 ) كشفت قناعها فإذا عجوز * مموهة المفارق بالخضاب فما زالت تجشمني طويلا * وتأخذ في أحاديث التصابي تحاول أن يقوم أبو زياد * ودون قيامه شيب الغراب أتت بجرابها تكتال فيه * فقامت وهي فارغة الجراب والكناية في البيت الأخير وهي ظاهرة . ومنها قول أبى تمام : ما لي رأيت ترابكم بئس الثرى * ما لي أرى أطوادكم تتهدم ( 2 )
--> ( 1 ) المثل السائر 2 : 207 ( 2 ) ديوانه 3 : 199 ، وديوانه : * ما لي رأيت ترابكم يبسا له *