ابن أبي الحديد

164

شرح نهج البلاغة

وعندي في هذا القول نظر ، ولى في اللذة والألم رسالة مفردة وأما قوله : ( لم يحلل في الأشياء ، فيقال : لا هو فيها كائن ولا منها مباين ) ، فينبغي أن يحمل على أنه أراد أنه لم ينأ عن الأشياء نأيا مكانيا فيقال : هو بائن بالمكان ، هكذا ينبغي أن يكون مراده ، لأنه لا يجوز إطلاق القول بأنه ليس ببائن عن الأشياء ، وكيف والمجرد بالضرورة بائن عن ذي الوضع ، ولكنها بينونة بالذات لا بالجهة . والمسلمون كلهم متفقون على أنه تعالى يستحيل أن يحل في شئ إلا من اعتزى إلى الاسلام من الحلولية ، كالذين قالوا بحلوله في علي وولده ، وكالذين قالوا بحلوله في أشخاص يعتقدون فيها إظهاره كالحلاجية وغيرهم ، والدليل على استحالة حلوله سبحانه في الأجسام ، أنه لو صح أن يحل فيها لم يعقل منفردا بنفسه أبدا ، كما أن السواد لا يعقل كونه غير حال في الجسم ، لأنه لو يعقل غير حال في الجسم لم يكن سوادا ، ولا يجوز أن يكون الله تعالى حالا أبدا ، ولا أن يلاقى الجسم ، إذ ذلك يستلزم قدم الأجسام ، وقد ثبت أنها حادثة . فأما قوله : ( لم يؤده خلق ما ابتدأ ) إلى قوله : ( عما خلق ) فهو حق ، لأنه تعالى قادر لذاته ، والقادر لذاته لا يتعب ولا يعجز ، لأنه ليس بجسم ، ولا قادر بقدرة يقف مقدورها عند حد وغاية ، بل إنما يقدر على شئ لأنه تعالى ذات مخصوصة ، يجب لها أن تقدر على الممكنات ، فيكون كل ممكن داخلا تحت هذه القضية الكلية ، والذات التي تكون هكذا لا تعجز ، ولا تقف مقدوراتها عند حد وغاية أصلا ، ويستحيل عليها التعب ، لأنها ليست ذات أعضاء وأجزاء . وأما قوله : ( ولا ولجت عليه شبهة ) إلى قوله : ( وأمر مبرم ) فحق ، لأنه تعالى عالم لذاته ، أي إنما علم ما علمه لا بمعنى أن يتعلق بمعلوم دون معلوم ، بل إنما علم أي شئ أشرت إليه ، لأنه ذات مخصوصة ، ونسبة تلك الذات إلى غير ذلك الشئ المشار إليه