ابن أبي الحديد

149

شرح نهج البلاغة

فأبصر ، وأبصر فأقصر فقد أبصر أقوام ولم يقصروا ، ثم هلكوا فلم يدركوا ما طلبوا ، ولا رجعوا إلى ما فارقوا . يا بن آدم ، أذكر قوله عز وجل : ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) ، عدل عليك من جعلك حسيب نفسك . خذوا صفوة الدنيا ، ودعوا كدرها ، ودعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم ، ظهر الجفاء وقلت العلماء ، وعفت السنة ، وشاعت البدعة ، لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرة عين لكل مسلم ، وجلاء الصدور ، ولقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم ، أشفق منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها ، وكانوا مما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم عليكم منها . ما لي أسمع حسيسا ولا أرى أنيسا ! ذهب الناس ، وبقى النسناس ( 1 ) . لو تكاشفتم ما تدافنتم . تهاديتم الاطباق ، ولم تتهادوا النصائح . أعدوا الجواب ، فإنكم مسؤولون . إن المؤمن من لا يأخذ دينه عن رأيه ، ولكن عن ربه ( 2 ) . ألا إن الحق قد أجهد أهله ، وحال بينهم وبين شهواتهم ، [ وما يصبر عليه إلا من عرف فضله ، ورجا عاقبته ، فمن حمد الدنيا ذم الآخرة ( 3 ) ] ، ولا يكره لقاء الله إلا مقيم على ما يسخطه . إن الايمان ليس بالتمني ولا بالتشهي ، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال . وهذا كلام حسن وموعظة بالغة ، إلا أنه في الجزالة والفصاحة دون كلام أمير المؤمنين عليه السلام بطبقات .

--> ( 1 ) النسناس : خلق على صورة الناس . ( 2 ) البيان : ( أخذه من قبل ربه ) . ( 3 ) من كتاب البيان والتبيين .