ابن أبي الحديد
150
شرح نهج البلاغة
[ من خطب عمر بن عبد العزيز ] ومن خطب عمر بن عبد العزيز : إن لكل سفر زادا لا محالة ، فتزودا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة ، فكونوا كمن عاين ما أعد الله تعالى من ثوابه وعقابه ، فرغبوا ورهبوا ، ولا يطولن عليكم الامر فتقسو قلوبكم ، وتنقادوا لعدوكم ، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدرى لعله لا يصبح بعد إمسائه ، ولا يمسي بعد إصباحه ، وربما كانت بين ذلك خطفات ( 1 ) المنايا . فكم رأينا وأنتم من كان بالدنيا مغترا فأصبح في حبائل خطوبها ومناياها أسيرا ! وإنما تقر عين من وثق بالنجاة من عذاب الله ، وإنما يفرح من أمن من أهوال يوم القيامة ، فأما من لا يبرأ من كلم إلا أصابه جارح من ناحية أخرى ، فكيف يفرح ! أعوذ بالله أن أخبركم بما أنهى عنه نفسي ، فتخيب صفقتي ، وتظهر عورتي ، وتبدو مسكنتي ، يوم يبدو فيه الغنى والفقير ، والموازين منصوبة ، والجوارح ناطقة . لقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت ، ولو عنيت به الجبال لذابت ، أو الأرض لانفطرت ، أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة ، وأنكم صائرون إلى أحدهما ! ( 2 ) . ومن خطب عمر بن عبد العزيز : أيها الناس : [ أنكم ] ( 3 ) لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ، وإن لكم معادا يبين ( 4 ) الله لكم فيه الحكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شئ ، وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض .
--> ( 1 ) العقد : ( خطرات ) ( 2 ) العقد لابن عبد ربه 4 : 92 ( 3 ) من البيان والتبيين والعقد . ( 4 ) البيان والعقد : ( يحكم )