ابن أبي الحديد
143
شرح نهج البلاغة
قيل : لا ، لأنه تعالى قال : ( وفاكهة مما يتخيرون ) ( 1 ) ، ولان من تدبر ترغيبات القرآن في الجنة والثواب ، علم قطعا أن أهل الجنة غير مضطرين إلى أفعالهم ، كما يضطر المرتعش إلى الرعشة . إن قيل : فإذا كانوا غير مضطرين ، فلم يمنعهم من وقوع القبيح منهم ؟ قيل : لان الله تعالى قد خلق فيهم علما بأنهم متى حاولوا القبيح منعوا منه ، وهذا يمنع من الاقدام على القبيح بطريق الالجاء . ويمكن أيضا أن يعلمهم استغنائهم بالحسن عن القبيح ، مع ما في القبيح من المضرة ، فيكونون ملجئين إلى ألا يفعلوا القبيح . فأما قوله عليه السلام : ( ( ولا ينجى بشئ كان لها ) فمعناه أن أفعال المكلف التي يفعلها لأغراضه الدنيوية ليست طريقا إلى النجاة في الآخرة ، كمن ينفق ماله رئاء الناس ، وليست طرق النجاة إلا بأفعال البر التي يقصد فيها وجه الله تعالى لا غير وقد أوضح عليه السلام ذلك بقوله : ( فما أخذوه منها لها أخرجوا منه ، وحوسبوا عليه ، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه وأقاموا فيه ) . فمثال الأول من يكتسب الأموال ويدخرها لملاذه . ومثال الثاني من يكسبها لينفقها في سبيل الخيرات والمعروف . ثم قال عليه السلام : ( وإنها عند ذوي العقول كفئ الظل . . . ) إلى آخر الفصل ، وإنما قال : ( كفئ الظل ) لان العرب تضيف الشئ إلى نفسه ، قال تأبط شرا : إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل له كالئ من قلب شيحان فاتك ( 2 )
--> ( 1 ) سورة الواقعة 20 ( 2 ) حماسة أبى تمام - بشرح التبريزي 1 : 94 . حاص خاط ، ويروى : ( إذا خاط عينيه ) . والكرى : النوم الخفيف . والشيحان : الحازم ، مثل الشائح والشيح والفاتك : الذي يفاجئ غيره بمكروه أو قتل .