ابن أبي الحديد
119
شرح نهج البلاغة
الأمانة ، ويتناولون الصدقة من غير فرضها ، ويضعونها غير موضعها ، فتلك الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله ، فالعنوهم لعنهم الله . قال : ثم ذكر شيعة آل أبي طالب ، فقال : وأما إخواننا من الشيعة - وليسوا ( 1 ) بإخواننا في الدين ، لكني سمعت الله يقول : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) - فإنها فرقة تظاهرت بكتاب الله ، وآثرت الفرقة على الله ، لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن ، ولا عقل بالغ في الفقه ، ولا تفتيش عن حقيقة الثواب ، قد قلدوا أمورهم أهواءهم ، وجعلوا دينهم العصبية لحزب لزموه ، وأطاعوه في جميع ما يقوله غيا كان أو رشدا ، ضلالة كان أو هدى ، ينتظرون الدول في رجعة الموتى ويؤمنون بالبعث قبل الساعة ، ويدعون علم الغيب لمخلوقين لا يعلم واحدهم ما في بيته ، بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه ، أو يحويه جسمه ، ينقمون المعاصي على أهلها ، ويعملون بها ولا يعلمون المخرج منها ، جفاة في دينهم ، قليلة عقولهم ، قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم ، وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة ، وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ! فأي الفرق يا أهل المدينة تتبعون ، أم بأي مذاهبهم تقتدون ! ولقد بلغني مقالكم في أصحابي ، وما عبتموه من حداثة أسنانهم ، ويحكم ! وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحداثا ! نعم إنهم لشباب مكتهلون ( 2 ) في شبابهم ، غضيضة عن الشر أعينهم ، ثقيلة في الباطل أرجلهم ، أنضاء ( 3 ) عبادة ، قد نظر الله إليهم في جوف الليل ، محنية أصلابهم على أجزاء القرآن كلما مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا ، وكلما مر بآية فيها ذكر النار شهق خوفا ، كأن زفير جهنم بين أذنيه ، قد أكلت الأرض جباههم وركبهم ،
--> ( 1 ) كذا في ا ، ب ، في ج : ( فليسوا ) . ( 2 ) ج : ( يتكهلون ) . ( 3 ) أنضاء : جمع نضو ، وهو المهزول .