ابن أبي الحديد

120

شرح نهج البلاغة

ووصلوا گلال ليلهم بگلال نهارهم ، مصفرة ألوانهم ، ناحلة أبدانهم ، من طول القيام ، وكثرة الصيام ، يوفون بعهد الله ، منجزون لوعد الله ، قد سيروا أنفسهم في طاعة الله ، حتى إذا التقت الكتيبتان ( 1 ) ، وأبرقت سيوفها ، وفوقت ( 2 ) سهامها ، وأشرعت ( 3 ) رماحها ، لقوا شبا ( 4 ) الأسنة وزجاج السهام ( 5 ) وظبى السيوف ، بنحورهم ، ووجوههم وصدورهم فمضى الشاب منهم قدما ، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه ، واختضبت محاسن وجهه بالدماء ، وعفر ( 6 ) جبينه بالتراب والثرى ، وانحطت عليه الطير من السماء ، ومزقته سباع الأرض ، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله ! وكم من وجه رقيق ، وجبين عتيق ( 7 ) قد فلق بعمد الحديد . ثم بكى فقال : آه ، آه على فراق الاخوان ، رحمة الله تعالى على تلك الأبدان ، اللهم أدخل أرواحها الجنان . قال أبو الفرج : وسار أبو حمزة ، وخلف بالمدينة المفضل الأزدي في جماعة من أصحابه ، وبعث مروان بن محمد عبد الملك بن عطية السعدي في أربعة آلاف من أهل الشام ، فيهم فرسان عسكره ووجهوهم لحرب أبى حمزة وعبد الله بن يحيى طالب الحق ، وأمر ابن عطية بالجد في المسير ، وأعطى كل رجل من الجيش مائة دينار ، وفرسا عربيا ، وبغلا لثقله ، فخرج ابن عطية حتى إذا كان بالمعلى ، وكان رجل من أهل وادي القرى ، يقال له : العلاء

--> ( 1 ) ج : ( الفئتان ) . ( 2 ) فوق السهم : جعل له فوقا ، وهو موضع الوتد من السهم ، أي أعدت للرمي . ( 3 ) أشرعت : سددت . ( 4 ) شبا : جمع شباة ، وهي حد كل شئ . ( 5 ) الزجاج : جمع زج ، وهو نصل السهم . ( 6 ) عفر : أصابه العفر ، وهو التراب . ( 7 ) عتيق : كريم .