ابن أبي الحديد
11
شرح نهج البلاغة
وجليلها ، تجيب على أثر السؤال من غير توقف ولا استعانة بشئ من الأشياء إلا أنها كانت تلتمس أن يرى الذي يسأل عنه أبوها ، أو يسمعه في بعض الأوقات دون بعض ، وعند قوم دون قوم ، فيتصور الدهماء أن الذي تقوله بإشارة من أبيها ، وكان الذي تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة ، إذا قيل بصريح الكلام الذي هو الطريق الأخصر ، وإنما كان أبوها ، يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الأنواع والاشكال في مدة واحدة : كلمة واحدة ، وأقصاه كلمتان ، وهي التي يكررها في كل قول ، ومع كل ما يسمع ، ويرى : سلها وسلها تخبرك ، أو قولي له ، أو قولي يا صغيرة . قال أبو البركات : ولقد عاندته يوما وحاققته في ألا يتكلم البتة ، وأريته عدة أشياء ، فقال لفظة واحدة ، فقلت له : الشرط أملك ( 1 ) ، فاغتاظ واحتد طيشه عن أن يملك نفسه ، فباح بخبيئته ، قال : ومثلك يظن أنني أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة ، فاسمع الآن ، ثم التفت إليها ، وأخذ يشير بإصبعه إلى شئ ، وهو يقول تلك الكلمة ، وهي تقول : هذا كذا ، وهذا كذا ، على الاتصال من غير توقف ، وهو يقول تلك الكلمة ، لا زيادة عليها ، وهي لفظة واحدة ، بلحن واحد ، وهيئة واحدة ، حتى ضجرنا ، واشتد تعجبنا ، ورأينا أن هذه الإشارة ، لو كانت تتضمن هذه الأشياء لكانت أعجب من كل ما تقوله العمياء . قال أبو البركات : ومن عجيب ما شاهدناه من أمرها ، أن أباها كان يغلط في شئ يعتقده على خلاف ما هو به ، فتخبر هي عنه على معتقداتها ، كأن نفسها هي نفسه . قال أبو البركات : ورأيناها تقول ما لا يعلمه أبوها من خبيئة في الخبيئة التي اطلع عليها أبوها ، فكانت تطلع على ما قد علمه أبوها ، وعلى ما لم يعلمه أبوها وهذا أعجب وأعجب .
--> ( 1 ) من المثل : الشرط أملك ، عليك أم لك ، أي الشرط يملك صاحبه في إلزامه إياه المشروط ، إن كان له أو عليه .