ابن أبي الحديد
12
شرح نهج البلاغة
قال أبو البركات : وحكاياتها أكثر من أن تعد ، وعند كل أحد من الناس من حديثها ما ليس عند الآخر ، لأنها كانت تقول من ذلك على الاتصال لشخص شخص جوابا بحسب السؤال . قال : وما زلت أقول : إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها ، فإن قلت لي : أريد أن تفيدني العلة في معرفة المغيبات هذه ؟ قلت : لك العلة التي تصلح في جواب ( لم ) في نسبة المحمول إلى الموضوع ، تكون الحد الأوسط في القياس وهذه فالعلة الفاعلة الموجبة لذلك فيها هي نفسها بقوتها وخاصتها ، فما الذي أقوله في هذا ! وهل لي أن أجعل ما ليس بعلة علة ! واعلم أنا لا ننكر أن يكون في نوع البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب ، ولكن كل ذلك مستند إلى الباري سبحانه بإقداره وتمكينه وتهيئة أسبابه ، فإن كان المخبر عن الغيوب ممن يدعى النبوة لم يجز أن يكون ذلك إلا بأذن الله سبحانه وتمكينه ، وأن يريد به تعالى استدلال المكلفين على صدق مدعى النبوة ، لأنه لو كان كاذبا لكان يجوز أن يمكن الله تعالى الجن من تعليمه ذلك إضلالا للمكلفين ، وكذلك لا يجوز أن يمكن سبحانه الكاذب في ادعاء النبوة من الاخبار عن الغيب بطريق السحر ، وتسخير الكواكب والطلسمات ، ولا بالزجر ، ولا بالقيافة ، ولا بغير ذلك من الطرق المذكورة ، لما فيه من استفساد البشر وإغوائهم . وأما إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدعيا للنبوة ، نظر في حاله ، فإن كان ذلك من الصالحين الأتقياء نسب ذلك إلى أنه كرامة أظهرها الله تعالى على يده ، إبانة له وتمييزا