ابن أبي الحديد

114

شرح نهج البلاغة

[ أبو حمزة الشاري ] قال أبو الفرج : ولما سار عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام ، وخلف المدينة لبلج ، أقبل أبو حمزة من مكة حتى دخلها ، فرقى المنبر ، فحمد الله وقال : يا أهل المدينة ، سألناكم عن ولاتكم هؤلاء ، فأسأتم لعمري والله القول فيهم ، وسألناكم هل يقتلون بالظن ؟ فقلتم : نعم ، وسألناكم : هل يستحلون المال الحرام والفرج الحرام ؟ فقلتم : نعم ، فقلنا لكم : تعالوا نحن وأنتم ، فانشدوا الله وحده أن يتنحوا عنا وعنكم ليختار المسلمون لأنفسهم ، فقلتم : لا نفعل ، فقلنا لكم : تعالوا نحن وأنتم نلقاهم ، فإن نظهر نحن وأنتم ( 1 ) يأت من يقيم لنا كتاب الله وسنة نبيه ، ويعدل في أحكامكم ، ويحملكم على سنة نبيكم ، فأبيتم وقاتلتمونا ، فقاتلناكم وقتلناكم ، فأبعدكم الله وأسحقكم يا أهل المدينة ! مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك ، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم ، فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم ، فكتب بوضعه عن قوم من ذوي اليسار منكم ، فزاد الغنى غنى ، والفقير فقرا ( 2 ) . وقلتم : جزاه الله خيرا ، فلا جزاه خيرا ولا جزاكم ! . قال أبو الفرج : فأما خطبتا أبى حمزة المشهورتان اللتان خطب بهما في المدينة ، فإن أحداهما قوله : تعلمون يا أهل المدينة ، أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ، ولا عبثا ولا لهوا ، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ، ولا لثأر قديم نيل منا ، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد أطفئت ، ومعالم العدل قد عطلت ، وعنف القائم بالحق ، وقتل القائم بالقسط ، ضاقت علينا الأرض بما رحبت ، وسمعنا داعيا ( 3 ) يدعو إلى طاعة الرحمن ، وحكم القرآن ، فأجبنا داعي الله ، ( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض )

--> ( 1 ) في الأصول : ( فإن يظهروا يأت ) ، وما أثبته من الأغاني ، والطبري 9 : 107 . ( 2 ) في الأصول : ( فرد الغنى غنيا ، والفقير فقيرا ) ، وما أثبته من الأغاني . ( 3 ) يريد بالداعي عبد الله بن يحيى