ابن أبي الحديد

115

شرح نهج البلاغة

فأقبلنا من قبائل شتى ، النفر ( 1 ) منا على البعير الواحد ، وعليه زادهم ، يتعاورون لحافا واحدا ، قليلون مستضعفون في الأرض ، فآوانا الله وأيدنا بنصره ، وأصبحنا - والله المحمود - من أهل فضله ونعمته . ثم لقينا رجالكم بقديد ، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن ، وحكم القرآن ، فدعونا إلى طاعة الشيطان ، وحكم مروان ، فشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد ! ثم أقبلوا يزفون ( 2 ) ويهرعون ، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه ( 3 ) ، وصدق عليهم إبليس ظنه ، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب ، بكل مهند ذي رونق ، فدارت رحانا واستدارت رحاهم ، بضرب يرتاب منه المبطلون . وأيم الله يا أهل المدينة ، إن تنصروا مروان وآل مروان فيسحتكم ( 4 ) الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ، ويشف صدور قوم مؤمنين . يا أهل المدينة ، الناس منا ونحن منهم ، إلا مشركا عباد وثن ، أو كافرا من أهل الكتاب ، أو إماما جائرا . يا أهل المدينة ، من يزعم أن الله تعالى كلف نفسا فوق طاقتها ، وسألها عما لم يؤتها فهو لنا حرب . يا أهل المدينة ، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله في كتابه على القوى والضعيف ، فجاء تاسع ليس له منها سهم ، فأخذها جميعا لنفسه ، مكابرا محاربا لربه ، ما تقولون فيه ، وفيمن عاونه على فعله ؟ يا أهل المدينة ، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي ، قلتم : هم شباب أحداث ، وأعراب جفاة ، ويحكم يا أهل المدينة ! وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا

--> ( 1 ) النفر : جماعة الرجال ، من ثلاثة إلى عشرة . ( 2 ) يزفون : يسرعون ، وأصله في الظليم . ( 3 ) جران البعير : مقدم عنقه . ( 4 ) يسحتكم : يستأصلكم .