ابن أبي الحديد
110
شرح نهج البلاغة
ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة ودعا بالديوان ، فضرب على الناس البعث ، وزادهم في العطاء عشرة عشرة ، واستعمل على الجيش عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فخرجوا ، فلقيتهم جزر منحورة ، فتشاءم الناس بها ، فلما كانوا بالعقيق ( 1 ) علق لواء عبد العزيز بسمرة ( 2 ) فانكسر الرمح ، فتشاءموا بذلك أيضا . ثم ساروا حتى نزلوا قديدا ، فنزل بها قوم معتزلون ، ليسوا بأصحاب حرب ، وأكثرهم تجار أغمار ، قد خرجوا في المصبغات والثياب الناعمة واللهو ، لا يظنون أن للخوارج شوكة ، ولا يشكون في أنهم في أيديهم . وقال رجل منهم من قريش : لو شاء أهل الطائف لكفونا أمر هؤلاء ، ولكنهم داهنوا في دين الله ، والله لنظفرن ولنسيرن إلى أهل الطائف فلنسبينهم . ثم قال : من يشترى منى من سبى أهل الطائف ؟ قال أبو الفرج : فكان هذا الرجل أول المنهزمين ، فلما وصل المدينة ، ودخل داره ، أراد أن يقول لجاريته : أغلقي الباب ، قال لها : ( ( غاق ناق ) دهشا ، فلقبه أهل المدينة بعد ذلك ( غاق ناق ) ، ولم تفهم الجارية قوله ، حتى أومأ إليها بيده ، فأغلقت الباب . قال : وكان عبد العزيز يعرض الجيش بذي الحليفة ( 3 ) ، فمر به أمية بن عتبة بن سعيد ابن العاص ، فرحب به وضحك إليه ، ثم مر به عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير فلم يكلمه ، ولم يلتفت إليه ، فقال له عمران بن عبد الله بن مطيع ، وكان ابن خالته ، أمهما ابنتا عبد الله بن خالد بن أسيد : سبحان الله ! مر بك شيخ من شيوخ قريش ، فلم تنظر
--> ( 1 ) عقيق المدينة ، قيل : هما عقيقان : الأكبر مما يلي الحرة إلى قصر المراجل ، والأصغر ما سفل عن قصر المراجل . ( 2 ) السمرة : شجرة العضاة ( 3 ) ذو الحليفة : موضع من تهامة بين حاذة وذات عرق