ابن أبي الحديد
57
شرح نهج البلاغة
فالعنه لعنا وبيلا ، وعذبه عذابا أليما وكتب بذلك إلى الآفاق ، فكانت هذه الكلمات يشاربها على المنابر ، إلى خلافة عمر بن عبد العزيز . وذكر أبو عثمان أيضا أن هشام بن عبد الملك لما حج خطب بالموسم ، فقام إليه إنسان ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبى تراب ، فقال : اكفف ، فما لهذا جئنا . وذكر المبرد في ، ، الكامل ، ، أن خالد بن عبد الله القسري لما كان أمير العراق في خلافة هشام ، كان يلعن عليا عليه السلام على المنبر ، فيقول : اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، صهر رسول الله صلى الله عليه وآله على ابنته ، وأبا الحسن والحسين ! ثم يقبل على الناس ، فيقول هل كنيت ( 1 ) ! وروى أبو عثمان أيضا أن قوما من بنى أمية قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين ، إنك قد بلغت ما أملت ، فلو كففت عن لعن هذا الرجل ! فقال : لا والله حتى يربو عليه الصغير ، ويهرم عليه الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلا ! وقال أبو عثمان أيضا : وما كان عبد الملك - مع فضله وأناته وسداده ورجحانه - ممن يخفى عليه فضل علي عليه السلام ، وأن لعنه على رؤوس الاشهاد ، وفي أعطاف الخطب ، وعلى صهوات المنابر مما يعود عليه نقصه ، ويرجع إليه وهنه ، لأنهما جميعا من بنى عبد مناف ، والأصل واحد ، والجرثومة منبت لهما ، وشرف علي عليه السلام وفضله عائد عليه ، ومحسوب له ، ولكنه أراد تشييد الملك وتأكيد ما فعله الأسلاف ، وأن يقرر في أنفس الناس أن بني هاشم لاحظ لهم في هذا الامر ، وأن سيدهم الذي به يصولون ، وبفخره يفخرون ،
--> ( 1 ) الكامل 414 ( طبع أوروبا ) .