ابن أبي الحديد
56
شرح نهج البلاغة
فرضنا أنه لا يقع وما لا يقع لا يمكن حصوله مع فرض كونه لا يقع ، فقال لهم أصحابنا : هذا يلزمكم في الامر ، لأنكم قد أجزتم أن يأمر بما يعلم أنه لا يقع ، فقالوا في الجواب : نحن عندنا أنه يأمر بما لا يريد ، فإذا أمر بما يعلم أنه لا يقع ، أو يخبر عن أنه لا يقع ، كان ذلك الامر أمرا عاريا عن الإرادة ، والمحال إنما نشأ من إرادة ما علم المريد أنه لا يقع ، وهاهنا لا إرادة . فقيل لهم : هب أنكم ذهبتم إلى أن الامر قد يعرى من الإرادة مع كونه أمرا ، ألستم تقولون : إن الامر يدل على الطلب ، والطلب شئ آخر غير الإرادة ! وتقولون : إن ذلك الطلب قائم بذات البارئ ، فنحن نلزمكم في الطلب القائم بذات البارئ ، الذي لا يجوز أن يعرى ( 1 ) الامر منه ما ألزمتمونا في الإرادة . ونقول لكم : كيف يجوز أن يطلب الطالب ما يعلم أنه لا يقع ! أليس تحت قولنا : طلب مفهوم ، أن ذلك المطلوب مما يمكن وقوعه ! فالحال في الطلب كالحال في الإرادة ، حذو النعل بالنعل . ولنا في هذا الموضع أبحاث دقيقة ذكرناها في كتبنا الكلامية . * * * [ فصل فيما روى من سب معاوية وحزبه لعلى ] المسألة الثانية : في قوله عليه السلام : ( يأمركم بسبي والبراءة منى ) ، فنقول : إن معاوية أمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسب علي عليه السلام والبراءة منه . وخطب بذلك على منابر الاسلام ، وصار ذلك سنة في أيام بنى أميد إلى أن قام عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه فأزاله . وذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة : اللهم إن أبا تراب الحد في دينك ، وصد عن سبيلك
--> ( 1 ) ا : ( يتعرى ) .