ابن أبي الحديد
39
شرح نهج البلاغة
وتصلحوا ذات بينكم ، فمهلا مهلا ! رحمكم الله ، استمعوا لهذا الكتاب ، وأطيعوا الذي يقرأ عليكم . ففضوا كتاب معاوية وإذا فيه : من عبد الله معاوية أمير المؤمنين ، إلى من قرئ كتاب هذا عليه من المؤمنين والمسلمين من أهل البصرة . سلام عليكم . أما بعد ، فإن سفك الدماء بغير حلها ، وقتل النفوس التي حرم الله قتلها هلاك موبق ، وخسران مبين ، لا يقبل الله ممن سفكها صرفا ولا عدلا ، وقد رأيتم رحمكم الله آثار ابن عفان وسيرته ، وحبه للعافية ، ومعدلته ، وسده للثغور ، وإعطاءه في الحقوق ، وإنصافه للمظلوم ، وحبه الضعيف ، حتى توثب عليه المتوثبون ، وتظاهر عليه الظالمون ، فقتلوه مسلما محرما ، ظمآن صائما ، لم يسفك فيهم دما ، ولم يقتل منهم أحدا ولا يطلبونه بضربة سيف ولا سوط ، وإنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه ، وإلى قتال من قتله ، فإنا وإياكم على أمر هدى واضح ، وسبيل مستقيم . إنكم إن جامعتمونا طفئت النائرة ، واجتمعت الكلمة ، واستقام أمر هذه الأمة ، وأقر الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حق ، فأخذوا بجرائرهم وما قدمت أيديهم . إن لكم أن أعمل فيكم بالكتاب ، وأن أعطيكم في السنة عطائين ، ولا أحتمل فضلا من فيئكم عنكم أبدا . فسارعوا إلى ما تدعون إليه رحمكم الله ! وقد بعثت إليكم رجلا من الصالحين ، كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان وعماله وأعوانه على الهدى والحق ، جعلنا الله وإياكم ممن يجيب إلى الحق ويعرفه ، وينكر الباطل ويجحده ، والسلام عليكم ورحمة الله . قال : فلما قرئ عليهم الكتاب ، قال معظمهم : سمعنا وأطعنا . قال : وروى محمد بن عبد الله بن عثمان ، عن علي ، عن أبي زهير ، عن أبي منقر الشيباني ، قال : قال الأحنف لما قرئ عليهم كتاب معاوية : أما أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جمل . واعتزل أمرهم ذلك .