ابن أبي الحديد

37

شرح نهج البلاغة

فلما جاءه كتاب عمرو دعا ابن الحضرمي - وقد كان ظن حين تركه معاوية أياما لا يأمره بالشخوص ، أن معاوية قد رجع عن إشخاصه إلى ذلك الوجه - فقال : يا بن الحضرمي ، سر على بركة الله إلى أهل البصرة فأنزل في مضر ، واحذر ربيعة ، وتودد الأزد ، وانع ابن عفان ، وذكرهم الوقعة التي أهلكتهم ، ومن لمن سمع وأطاع دنيا لا تفنى ، وأثرة ( 1 ) لا يفقدها حتى يفقدنا أو نفقده . فودعه ثم خرج من عنده ، وقد دفع إليه كتابا ، وأمره إذا قدم أن يقرأه على الناس . قال عمرو بن محصن : فكنت معه حين خرج ، فلما خرجنا سرنا ما شاء الله أن نسير ، فسنح لنا ظبي أعضب ( 2 ) عن شمائلنا ، فنظرت إليه ، فوالله لرأيت الكراهية في وجهه ، ثم مضينا حتى نزلنا البصرة في بنى تميم ، فسمع بقدومنا أهل البصرة ، فجاءنا كل من يرى رأى عثمان ، فاجتمع إلينا رؤوس أهلها ، فحمد الله ابن الحضرمي وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فإن إمامكم إمام الهدى عثمان بن عفان ، قتله علي بن أبي طالب ظلما ، فطلبتم بدمه ، وقاتلتم من قتله ، فجزاكم الله من أهل مصر خيرا ، وقد أصيب منكم الملاء الأخيار ، وقد جاءكم الله بإخوان لكم ، لهم بأس يتقى ، وعدد لا يحصى ، فلقوا عدوكم الذين قتلوكم ، فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين ، ورجعوا وقد نالوا ما طلبوا ، فمالئوهم وساعدوهم ، وتذكروا ثاركم لتشفوا صدوركم من عدوكم . فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي ، فقال : قبح الله ما جئتنا به ، وما دعوتنا إليه ! جئتنا والله بمثل ما جاء به صاحباك طلحة والزبير ، أتيانا وقد بايعنا عليا ، واجتمعنا له ، فكلمتنا واحدة ونحن على سبيل مستقيم ، فدعوانا إلى الفرقة ، وقاما فينا بزخرف القول ، حتى ضربنا بعضنا ببعض عدوانا وظلما ، فاقتتلنا على ذلك ، وأيم الله ، ما سلمنا من عظيم وبال

--> ( 1 ) في اللسان : ( فلان أثير عند فلان ، ذو أثرة ، إذا كان خاصا ) . ( 2 ) الأعضب : مكسور أحد القرنين ، وكانوا يتشاءمون منه