ابن أبي الحديد

271

شرح نهج البلاغة

ورماه عروة بن المغيرة بن شعبة بالسهام ، وقد كان الحجاج جعله في ثلاثمائة رام من أهل الشام ردءا له كي لا يؤتى من ورائه ، فصاح شبيب في أصحابه . يا أهل الاسلام ! إنما شريتم لله ، ومن يكن شراؤه لله لم يضره ما أصابه من ألم وأذى ( 1 ) ، لله أبوكم ! الصبر الصبر ، شدة كشداتكم الكريمة في مواطنكم المشهورة . فشدوا شدة عظيمة ، فلم يزل أهل الشام عن مراكزهم ، فقال شبيب : الأرض ! دبوا دبيبا تحت تراسكم ، حتى إذا صارت أسنة أصحاب الحجاج فوقها ، فأذلقوها صعدا ، وادخلوا تحتها ، واضربوا سوقهم وأقدامهم ، وهي الهزيمة بإذن الله . فأقبلوا يدبون دبيبا تحت الحجف : صمدا صمدا ، نحو أصحاب الحجاج . فقال خالد بن عتاب بن ورقاء : أيها الأمير ، أنا موتور ، ولا أتهم في نصيحتي ( 2 ) ، فأذن لي حتى آتيهم من ورائهم ، فأغير على معسكرهم وثقلهم ، فقال : افعل ذلك ( 3 ) ، فخرج في جمع من مواليه وشاكريته ( 4 ) وبنى عمه ، حتى صار من ورائهم ، فالتقى بمصاد أخي شبيب فقتله ، وقتل غزالة امرأة شبيب ، وألقى النار في معسكرهم ، والتفت شبيب والحجاج ، فشاهدا النار ، فأما الحجاج فكبر وكبر أصحابه ، وأما شبيب ، فوثب هو وكل راجل من أصحابه على خيولهم مرعوبين ، فقال الحجاج لأصحابه : شدوا عليهم ، فقد أتاهم ما أرعبهم ، فشدوا عليهم ، فهزموهم ، وتخلف شبيب في خاصة الناس ، حتى خرج من الجسر ، وتبعه خيل الحجاج ، وغشيه النعاس ، فجعل يخفق برأسه ، والخيل تطلبه . قال أصغر الخارجي ( 5 ) : كنت معه ذلك اليوم ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، التفت

--> ( 1 ) الطبري : ( ومن شرى الله لم يكبر عليه ما أصابه من الأذى ) . ( 2 ) الطبري : ( في نصيحة ) . ( 3 ) الطبري : ( ما بدا لك ) . ( 4 ) الشاكرية : جمع شاكري . وهو الأجير . ( 5 ) في الطبري : ( قال هشام : فحدثني أصغر الخارجي ، قال : حدثني من كان مع شبيب . . . )