ابن أبي الحديد

272

شرح نهج البلاغة

فانظر من خلفك ، فالتفت غير مكترث ، وجعل ( 1 ) يخفق برأسه . قال : ودنوا منا ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، قد دنا القوم منك ، فالتفت والله ثانية غير مكترث بهم ، وجعل يخفق برأسه ، وبعث الحجاج خيلا تركض تقول : دعوه يذهب في حرق الله ، فتركوه وانصرفوا عنه ( 2 ) . ومضى شبيب بأصحابه ، حتى قطعوا جسر المدائن ، فدخلوا ديرا هناك ، وخالد بن عتاب يقفوهم ، فحصرهم في الدير ، فخرج شبيب إليه فهزمه وأصحابه نحوا من فرسخين ، حتى ألقى خالد نفسه في دجلة هو وأصحابه بخيولهم ، فمر به شبيب ، فرآه في دجلة ، ولواؤه في يده ، فقال : قاتله الله فارسا ، وقاتل فرسه ! فرس هذا أشد الناس قوة ، وفرسه أقوى فرس في الأرض ، وانصرف ، فقيل له بعد انصرافه : إن الفارس الذي رأيت هو خالد بن عتاب بن ورقاء ، فقال : معرق في الشجاعة ! لو علمت لأقحمت خلفه ، ولو دخل النار . ثم دخل الحجاج الكوفة بعد هزيمة شبيب ، فصعد المنبر ، وقال : والله ما قوتل شبيب قط قبل اليوم ، ولى هاربا ، وترك امرأته يكسر في استها القصب . ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن فبعثه في أثره في ثلاثة آلاف من أهل الشام ، وقال : احذر بياته ، وحيثما لقيته فنازله ، فإن الله تعالى قد فل حده ، وقصم نابه . فخرج حبيب في أثره ، حتى نزل الأنبار ، وبعث الحجاج إلى العمال : أن دسوا إلا أصحاب شبيب ، من جاءنا منكم فهو آمن ، فكان كل من ليست له بصيرة في دين الخوارج ، ممن هزه ( 3 ) القتال . وكرهه ذلك اليوم يجئ فيؤمن . وقبل ذلك كان الحجاج نادى يوم هزم شبيب : من جاءنا فهو آمن ، فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه .

--> ( 1 ) الطبري : ( ثم أكب يخفق برأسه ) . ( 2 ) الطبري : ( ورجعوا ) . ( 3 ) الطبري : ( هذه القتال ) .