ابن أبي الحديد
233
شرح نهج البلاغة
مشرقا ، قالوا : هرب عدو الله ، واتبعوه . فقال لهم عدى بن عميرة الشيباني : أيها الناس ، لا تعجلوا عليهم حتى نضرب في الأرض ونستبرئها ( 1 ) : فإن يكونوا أكمنوا كمينا حذرناه ، وإلا كان طلبهم بين أيدينا لن يفوتنا . فلم يسمعوا منه ، فأسرعوا في آثارهم . * * * فلما رأى شبيب أنهم قد جازوا الكمين ، عطف عليهم ، فحمل من أمامهم ، وخرج الكمين من ورائهم ، فلم يقاتل ( 2 ) أحد ، وإنما كانت الهزيمة ، وثبت سفيان بن أبي العالية في مائتي رجل ، فقاتل ( 3 قتالا شديدا حتى انتصف من شبيب 3 ) ، فقال سويد بن سليم لأصحابه : أمنكم أحد يعرف أمير القوم ابن أبي العالية ( 4 ) ؟ فقال له شبيب : أنا من أعرف الناس به ، أما ترى صاحب الفرس الأغر الذي دونه المرامية ! فإنه هو ، ( 5 ) فإن كنت تريده فأمهله قليلا . ثم قال : يا قعنب ، اخرج في عشرين ، فأتهم من ورائهم . فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم ، فلما رأوه يريد أن يأتيهم من ورائهم ، جعلوا ينتقصون ويتسللون ، وحمل سويد بن سليم على سفيان بن أبي العالية يطاعنه ( 6 ) ، فلم تصنع رماحهما شيئا ، ثم اضطربا بسيفهما ، ثم اعتنق كل واحد منهما صاحبه ، فوقعا إلى الأرض يعتركان ، ثم تحاجزا ، وحمل عليهم شبيب ، فانكشف من كان مع سفيان ، ونزل غلام له يقال له غزوان عن برذونه ، وقال لسفيان : اركب يا مولاي ، فركب سفيان ، وأحاط به أصحاب شبيب ، فقاتل دونه غزوان حتى قتل ، وكان معه رايته ، وأقبل سفيان منهزما ، حتى انتهى
--> ( 1 ) يقال : استبرأ أرض بنى فلان ، إذا سار فيها وانتهى إلى آخرها . وفي الطبري : ( نسير بها ) . ( 2 ) الطبري : ( فلم يقاتلهم أحد ) . ( 3 - 3 ) الطبري : ( فقاتلهم قتالا شديدا حسنا حتى ظن أنه انتصف من شبيب وأصحابه ) . ( 4 ) في الطبري بعدها : ( فوالله لئن عرفته لأجهدن نفسي في قتله ) . ( 5 ) الطبري : ( فإنه ذلك ) . ( 6 ) الطبري : ( فطاعنه ) .