ابن أبي الحديد
19
شرح نهج البلاغة
فلو أنى أطعت عصمت قومي * إلى ركن اليمامة أو شمام ( 1 ) ولكني متى أبرمت أمرا * منيت بخلف آراء الطغام قال : وارتحل معاوية حتى نزل معسكر علي عليه السلام الذي كان فيه ، فدعا علي عليه السلام الأشتر ، فقال : ألم تغلبني على رأيي ( 2 ) أنت والأشعث ! فدونكما . فقال الأشعث : أنا أكفيك يا أمير المؤمنين ، سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك ، فجمع كندة فقال لهم : يا معشر كندة ، لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني ، فإني إنما أقارع بكم أهل الشام ، فخرجوا معه رجالة يمشون ، وبيده رمح له يلقيه على الأرض ، ويقول : امشوا قيد رمحي هذا ، فيمشون ، فلم يزل يقيس لهم الأرض برمحه ، ويمشون معه رجالة حتى لقى معاوية وسط بنى سليم واقفا على الماء ، وقد جاء أداني عسكره ، فاقتتلوا قتالا شديدا على الماء ساعة ، وانتهى أوائل أهل العراق فنزلوا ، وأقبل الأشتر في خيل من أهل العراق ، فحمل على معاوية ، والأشعث يحارب في ناحية أخرى ، فانحاز معاوية في بنى سليم ، فرد وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ ، ثم نزل ووضع أهل الشام أثقالهم ، والأشعث يهدر ويقول : أرضيتك يا أمير المؤمنين ! ثم تمثل بقول طرفة بن العبد : ففداء لبني سعد على * ما أصاب الناس من خير وشر ( 3 ) ما أقلت قدماي إنهم * نعم الساعون في الحي الشطر ( 4 ) ولقد كنت عليكم عاتبا * فعقبتم بذنوب غير مر ( 5 )
--> ( 1 ) صفين : ( عصبت قومي ) . وشمام : جبل لباهلة . ( 2 ) صفين : ( على رائى ) ، والرائي والرأي بمعنى . ( 3 ) ديوانه 72 وروايته : ( لبني قيس . . . من سر وضر ) ( 4 ) الشطر : جمع شطير ، وهو الغريب البعيد ( 5 ) عاتبا : واجدا ، وعقبتم ، أي جدتم عقب ذلك . ومر : نقيض حلو ، قال شارح الديوان : ( أي عقبتم عتبي عليكم بعطاء حلو ) .