ابن أبي الحديد
18
شرح نهج البلاغة
الامر ، وأقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله ، فعلام تقاتله ؟ فقال : أقاتله على دم عثمان ، وأنه آوى قتلته ، فقولوا له : فليقدنا من قتلته وأنا أول من بايعه من أهل الشام . فانطلقوا إلى علي عليه السلام فأخبروه بقول معاوية ، فقال : إنما يطلب الذين ترون ، فخرج عشرون ألفا أو أكثر متسربلين الحديد ، لا يرى منهم إلا الحدق ، فقالوا : كلنا قتله ، فإن شاءوا فليروموا ذلك منا . فرجع أبو أمامة وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال . قال نصر : حتى إذا كان رجب ، وخشي معاوية أن يتابع القراء عليا عليه السلام ، أخذ في المكر ، وأخذ يحتال للقراء لكيما يحجموا ويكفوا حتى ينظروا . قال : فكتب في سهم : من عبد الله الناصح ، إني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم ، فخذوا حذركم . ثم رمى بالسهم في عسكر علي عليه السلام ، فوقع السهم في يد رجل فقرأه ثم أقرأه صاحبه ، فلما قرأه وقرأته الناس وأقرأه من أقبل وأدبر ، قالوا : هذا أخ لنا ناصح ، كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية ، فلم يزل السهم يقرأ ويرتفع حتى رفع إلى علي عليه السلام ، وقد بعث معاوية مائتي رجل من العملة إلى عاقول ( 1 ) من النهر ، بأيديهم المرور والزبل ( 2 ) يحفرون فيها بحيال عسكر علي عليه السلام . فقال علي عليه السلام : ويحكم ! إن الذي يعالج معاوية لا يستقيم له ، ولا يقوى عليه ، إنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم ، فانتهوا عن ذلك فقالوا له : لا ندعهم والله يحفرون ، فقال علي عليه السلام : لا تكونوا ضعفي ، ويحكم ! لا تغلبوني على رأيي . فقالوا : والله لنرتحلن ، فإن شئت فارتحل ، وإن شئت فأقم ، فارتحلوا وصعدوا بعسكرهم مليا ، وارتحل علي عليه السلام في أخريات الناس ، وهو يقول :
--> ( 1 ) عاقول النهر : ما أعوج منه ( 2 ) المرور : جمع مر ، وهو المسحاة . والزبل : جمع زبيل وهو القفة .