ابن أبي الحديد

161

شرح نهج البلاغة

يطمعون في مثلها من المهلب ، فقال : أما إنكم لو ناصحتموني مناصحتكم المهلب ، لرجوت أن أنفى هذا العدو ، ولكنكم تقولون : قرشي حجازي ، بعيد الدار خيره لغيرنا ، فتقاتلون معي تعذيرا ( 1 ) . ثم زحف إلى الخوارج من غد ذلك اليوم ، فقاتلهم قتالا شديدا ، حتى ألجأهم إلى قنطرة ، فتكاثف الناس عليها حتى سقطت ، فأقام حتى أصلحها ( 2 ) ، ثم عبر ، وتقدم ابنه عبيد الله بن عمر - وأمه من بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب - فقاتلهم حتى قتل ، فقال قطري للخوارج : لا تقاتلوا عمر اليوم ، فإنه موتور ، قد قتلتم ابنه - ولم يعلم عمر بقتل ابنه حتى أفضى إلى القوم ، وكان مع ابنه النعمان بن عباد - فصاح به عمر : يا نعمان ، أين ابني ؟ قال : احتسبه فقد استشهد صابرا مقبلا غير مدبر ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ! ثم حمل على الخوارج حمله لم ير مثلها ، وحمل أصحابه بحملته ، فقتلوا في وجههم ذلك تسعين رجلا من الخوارج ، وحمل على قطري فضربه على جبينه ففلقه ، وانهزمت الخوارج وانتهبها ، فلما استقروا ورأي ما نزل بهم ، قال : ألم أشر عليكم بالانصراف ! فجعلوه حينئذ من ( 3 ) وجوههم ، حتى خرجوا من فارس ، وتلقاهم في ذلك الوقت الفزر بن مهزم العبدي ، فسألوه عن خبره ، وأرادوا قتله ، فأقبل على قطري ، وقال : إني مؤمن مهاجر ، فسأله عن أقاويلهم فأجاب إليها ، فخلوا عنه ، ففي ذلك يقول في كلمة له : فشدوا وثاقي ثم ألجوا خصومتي * إلى قطري ذي الجبين المفلق وحاججتهم في دينهم فحججتهم * وما دينهم غير الهوى والتخلق ثم رجعوا وتكانفوا ( 4 ) ، وعادوا إلى ناحية أرجان ، فسار إليهم عمر بن عبيد الله ، وكتب إلى مصعب :

--> ( 1 ) تعذيرا ، أي تقاتلون معي من غير تمام أو مبالغة . ( 2 ) ج : ( فأصلحها ) . ( 3 ) كذا في ب ، وفي ا ، ج والكامل بحذف كلمة ( من ) . ( 4 ) في زيادات الأخفش على الكامل : ( تكانفوا ، أعان بعضهم بعضا واجتمعوا وصار بعضهم في كنف بفض ) .