ابن أبي الحديد
160
شرح نهج البلاغة
أمر الخوارج ، فقال قوم : ول عبد الله بن أبي بكرة ، وقال قوم : ول عمر بن عبيد الله بن معمر ، وقال قوم : ليس لهم إلا المهلب فاردده إليهم ، وبلغت المشورة الخوارج فأداروا الامر بينهم ، فقال قطري بن الفجاءة المازني - ولم يكن أمروه عليهم بعد - : إن جاءكم عبد الله بن أبي بكرة أتاكم سيد سمح كريم جواد مضيع لعسكره ، وإن جاءكم عمر بن عبيد الله أتاكم فارس شجاع ، بطل جاد ، يقاتل لدينه ولملكه ، وبطبيعة لم أر مثلها لأحد ، فقد شهدته في وقائع ، فما نودي في القوم لحرب إلا كان أول فارس ، حتى يشد على قرنه ويضربه ، وإن رد المهلب فهو من قد عرفتموه ، إذا أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الاخر ، يمده إذا أرسلتموه ، ويرسله إذا مددتموه ، لا يبدؤكم إلا أن تبدأوه ، إلا أن يرى فرصة فينتهزها ، فهو الليث المبر ( 1 ) ، والثعلب الرواغ ، والبلاء المقيم . فولى مصعب عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر ، ولاه فارس ، والخوارج بأرجان يومئذ ، وعليهم الزبير بن علي السليطي ، فشخص إليهم فقاتلهم ، وألح عليهم حتى أخرجهم منها ، فألحقهم بأصبهان ، فلما بلغ المهلب أن مصعبا ولى حرب الخوارج عمر بن عبيد الله ، قال : رماهم بفارس العرب وفتاها . فجمع الخوارج له ، وأعدوا واستعدوا ، ثم أتوا سابور ( 2 ) . فسار إليهم حتى نزل منهم على أربعة فراسخ ، فقال له مالك بن أبي حسان الأزدي : إن المهلب كان يذكى العيون ، ويخاف البيات ، ويرتقب الغفلة ، وهو على أبعد من هذه المسافة منهم . فقال عمر : اسكت ، خلع الله قلبك ! أتراك تموت قبل أجلك ! وأقام هناك ، فلما كان ذات ليلة بيته الخوارج ، فخرج إليهم فحاربهم حتى أصبح ، فلم يظفروا منه بشئ . فأقبل على مالك بن أبي حسان ، فقال : كيف رأيت ؟ فقال : قد سلم الله ، ولم يكونوا
--> ( 1 ) المبر : الغالب ، أبر عليه ، إذا غلبه . ( 2 ) سابور : كورة مشهورة بأرض فارس ، بينها وبين شيراز خمسة وعشرون فرسخا .