ابن أبي الحديد
157
شرح نهج البلاغة
يوما يطيف بعسكره ، ويتفقد سواده ، فوقف على جبل ، فقال : إن من التدبير لهذه المارقة أن تكون قد أكمنت في سفح هذا الجبل كمينا ، فبعث المهلب عشرة فوارس ، فاطلعوا على المائة ، فلما علموا بهم قطعوا القنطرة ونجوا وانكشفت الشمس فصاحوا : يا أعداء الله ، لو قامت القيامة لجددنا ونحن في جهادكم ( 1 ) . ثم يئس الزبير من ناحية المهلب ، فضرب إلى ناحية أصبهان ، ثم كر راجعا إلى أرجان ، وقد جمع جموعا ، وكان المهلب يقول : كأني بالزبير وقد جمع لكم ، فلا ترهبوهم ، فتنخب ( 2 ) قلوبكم ، ولا تغفلوا الاحتراس فيطمعوا فيكم . فجاءوه من أرجان ، فلقوه مستعدا آخذا بأفواه الطرق ، فحاربهم فظهر عليهم ظهورا بينا ، ففي ذلك يقول رجل من بنى يربوع : سقى الله المهلب كل غيث * من الوسمي ينتحر انتحارا ( 3 ) فما وهن المهلب يوم جاءت * عوابس خيلهم تبغى الغوارا ( 4 ) وقال المهلب يومئذ : ما وقفت في مضيق من الحرب إلا رأيت أمامي رجالا من بنى الهجيم بن عمرو بن تميم يجالدون ، وكأن لحاهم أذناب العقاعق ( 5 ) و [ كانوا ] ( 6 ) صبروا معه في غير مواطن . وقال رجل من أصحاب المهلب من بنى تميم :
--> ( 1 ) في الكامل : ( لجددنا في جهادكم ) . ( 2 ) تنخب : تضعف ، وفي الكامل : ( تخبث ) . ( 3 ) الوسميّ : مطر الربيع الأول ، سمى به لأنه يسم الأرض بالنبات ، وانتحر الوسمي ، أي انبعق بماء كثير ، ومنه قول الراغي : فمر على منازلها ألقى * بها الأثقال وانتحر انتحارا ( 4 ) الغوار : مصدر غاور العدو مغاورة وغوارا ، أغار عليه . ( 5 ) العقاعق : جمع عقعق ، وهو طائر ذو لونين : أبيض وأسود طويل الذنب . ( 6 ) من الكامل .