ابن أبي الحديد

156

شرح نهج البلاغة

أركان المشركين ، وذا الرياسة وأخا السياسة ، فاستدم الله بشكره ، يتمم عليك نعمه . والسلام . وكتب إليه أهل البصرة يهنئونه ، ولم يكتب إليه الأحنف ، ولكن قال : اقرأوا عليه السلام وقولوا : أنا لك على ما فارقتك عليه . فلم يزل يقرأ الكتب وينظر في تضاعيفها ، ويلتمس كتاب الأحنف فلا يراه ، فلما لم يره ، قال لأصحابه : أما كتب أبو بحر ؟ فقال له الرسول : إنه حملني إليك رسالة ، فأبلغه ، فقال : هذا أحب إلى من هذه الكتب . واجتمعت الخوارج بأرجان ، فبايعوا الزبير بن علي ، وهو من بنى سليط بن يربوع ، من رهط ابن الماحوز ، فرأى فيهم انكسارا شديدا ، وضعفا بينا ، فقال لهم : اجتمعوا ، فاجتمعوا ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد رسوله صلى الله عليه وآله ، ثم أقبل عليهم فقال : إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر ، وهو على الكافرين عقوبة وخزي ، وإن يصب منكم أمير المؤمنين ، فما صار إليه خير مما خلف ، وقد أصبتم منهم مسلم بن عبيس وربيعا الأجذم والحجاج بن رباب ( 1 ) وحارثة بن بدر ، وأشجيتم المهلب وقتلتم أخاه المعارك ، والله يقول لإخوانكم المؤمنين : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ( 2 ) ، فيوم سلى كان لكم بلاء وتمحيصا ، ويوم سولاف كان لهم عقوبة ونكالا ، فلا تغلبن على الشكر في حينه ، والصبر في وقته ، وثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض ، والعاقبة للمتقين . ثم تحمل للمحاربة نحو المهلب ، فنفحهم المهلب نفحة فرجعوا وأكمنوا للمهلب - في غمض ( 3 ) من غموض الأرض يقرب من عسكره - مائة فارس ليغتالوه ، فسار المهلب

--> ( 1 ) الكامل : ( باب ) . ( 2 ) سورة آل عمران 140 ( 3 ) الغمض : المطمئن من الأرض