ابن أبي الحديد
150
شرح نهج البلاغة
فيا ندمي على تركي عطائي * معاينة وأطلبه ضمارا ( 1 ) إذا الرحمن يسر لي قفولا * فحرق في قرى سولاف نارا قوله : ( الأعور الكذاب ) ، يعنى به المهلب كانت عينه عارت بسهم أصابها ، وسموه الكذاب ، لأنه كان فقيها ، وكان يتأول ما ورد في الأثر من أن كل كذب يكتب كذبا إلا ثلاثة : الكذب في الصلح بين رجلين ، وكذب الرجل لامرأته بوعد ، وكذب الرجل في الحرب بتوعد وتهدد ( 2 ) . قالوا : وجاء عنه صلى الله عليه وآله : ( إنما أنت رجل فخذل عنا ما استطعت ) . وقال : ( إنما الحرب خدعة ) ، فكان المهلب ربما صنع الحديث ليشد به من أمر المسلمين ما ضعف ، ويضعف به من أمر الخوارج ما اشتد ، وكان حي من الأزد يقال لهم الندب ، إذا رأو المهلب رائحا إليهم قالوا : راح ليكذب ، وفيه يقول رجل منهم : أنت الفتى كل الفتى * لو كنت تصدق ما تقول فبات المهلب في ألفين ، فلما أصبح رجع بعض المنهزمة ، فصاروا في أربعة آلاف ، فخطب أصحابه ، فقال : والله ما بكم من قلة ، وما ذهب عنكم إلا أهل الجبن والضعف والطبع ( 3 ) والطمع ، فإن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، فسيروا إلى عدوكم على بركة الله . فقام إليه الحريش بن هلال ، فقال : أنشدك الله أيها الأمير أن تقاتلهم ، إلا أن يقاتلوك ، فإن في أصحابك جراحا ، وقد أثخنتهم هذه الجولة . فقبل منه ، ومضى المهلب في عشرة فأشرف على عسكر الخوارج ، فلم ير منهم أحدا
--> ( 1 ) الضمار : الغائب الذي لا يرتجى . ( 2 ) الكامل : ( يتوعد ويتهدد ) . ( 3 ) الطبع في الأصل : الصدأ يكثر على السيف وغيره ، ثم استعير فيما يشبه ذلك من الأوزار والأنام