ابن أبي الحديد

140

شرح نهج البلاغة

فإن خير الزاد التقوى ، والسلام على من اتبع الهدى ( 1 ) . فلما أظهر نافع مقالته هذه ، وانفرد عن الخوارج بها ، أقام في أصحابه بالأهواز يستعرض الناس ، ويقتل الأطفال ، ويأخذ الأموال ، ويجبي الخراج ، وفشا عماله بالسواد ، فارتاع لذلك أهل البصرة ، واجتمع منهم عشرة آلاف إلى الأحنف ، وسألوه أن يؤمر عليهم أميرا يحميهم من الخوارج ، ويجاهد بهم ، فأتى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهو المسمى ببة ، فسأله أن يؤمر عليهم - وببة يومئذ أمير البصرة من قبل ابن الزبير - فأمر عليهم مسلم بن عبيس بن كريز ، وكان دينا شجاعا ، فلما خرج بهم من جسر البصرة ، أقبل عليهم ، وقال : أيها الناس ، إني ما خرجت لامتيار ( 2 ) ذهب ولا فضة ، وإني لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا السيوف والرماح ، فمن كان شأنه الجهاد ، فلينهض ، ومن أحب الحياة فليرجع . فرجع نفر يسير ، ومضى الباقون معه ، فلما صاروا بدولاب ( 3 ) خرج إليهم نافع وأصحابه ، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسرت الرماح : وعقرت الخيل : وكثر الجراح والقتل ، وتضاربوا بالسيوف والعمد ( 4 ) ، فقتل ابن عبيس أمير أهل البصرة ، وقتل نافع بن الأزرق أمير الخوارج : وادعى قتله سلامة الباهلي ، وكان نافع قد استخلف عبيد الله ابن بشير بن الماحوز السليطي اليربوعي ، واستخلف ابن عبيس الربيع بن عمرو الأجذم الغداني اليربوعي ، فكان الرئيسان من بنى يربوع ، فاقتتلوا بعد قتل ابن عبيس ونافع قتالا شديدا نيفا وعشرين يوما ، حتى قال الربيع لأصحابه : إني رأيت البارحة كأن يدي

--> ( 1 ) الكامل 615 ( طبع أوروبا ) . ( 2 ) امتيار : مصدر أمتار لأهله ، أي جلب لهم الميرة ، والميرة : الطعام . ( 3 ) دولاب : قرية بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ . ( 4 ) العمد ، بفتحتين ، أو بضمتين جمعان للعمود .