ابن أبي الحديد

139

شرح نهج البلاغة

في قوم نوح ، ولا تقوله في قومنا ( 1 ) ، والله تعالى يقول : ( أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ) ( 2 ) ، وهؤلاء كمشركي العرب ، لا يقبل منهم جزية ، وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الاسلام . وأما استحلال أمانات من خالفنا فإن الله تعالى أحل لنا أموالهم ، كما أحل دماءهم لنا ، فدماؤهم حلال طلق ( 3 ) ، وأموالهم فئ للمسلمين ، فاتق الله وراجع نفسك ، فإنه لا عذر لك إلا بالتوبة ، ولن يسعك خذلاننا والقعود عنا وترك ما نهجناه لك من مقالتنا ، والسلام على من أقر بالحق وعمل به ( 4 ) . وكتب إلى من بالبصرة من المحكمة : أما بعد فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة ، والدين واحد ، ففيم المقام بين أظهر الكفار ترون الظلم ليلا ونهارا ، وقد ندبكم الله عز وجل إلى الجهاد ، فقال : ( وقاتلوا المشركين كافة ) ( 5 ) ، ولم يجعل لكم في التخلف عذرا في حال من الأحوال ، فقال : ( انفروا خفافا وثقالا ) ( 6 ) وإنما عذر الضعفاء والمرضى ، والذين لا يجدون ما ينفقون ، ومن كانت إقامته لعلة ، ثم فضل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله ) ( 7 ) ، فلا تغتروا وتطمئنوا إلى الدنيا ، فإنها غرارة مكارة ، لذتها نافدة ، ونعيمها بائد ، حفت بالشهوات اغترارا ، وأظهرت حبرة ( 8 ) وأضمرت عبرة ، فليس آكل منها أكلة تسره ، ولا شارب منها شربة تؤنقه ( 9 ) إلا ودنا بها درجة إلى أجله ، وتباعد بها مسافة من أمله ، وإنما جعلها الله دار المتزود منها ، إلى النعيم المقيم ، والعيش السليم ، فليس يرضى بها حازم دارا ولا حكيم قرارا ، فاتقوا الله وتزودوا

--> ( 1 ) الكامل : ولا نكون نقوله في قومنا ) . ( 2 ) سورة 43 ( 3 ) يقال : حل طلق ، أي حلال طيب . ( 4 ) الكامل للمبرد 613 ( طبع أوروبا ) . ( 5 ) سورة التوبة 36 ( 6 ) سورة التوبة 41 ( 7 ) سورة النساء . ( 8 ) الحبرة : النعمة . ( 9 ) تؤنقه : تعجبه .