ابن أبي الحديد

138

شرح نهج البلاغة

فكتب إليه نافع : أما بعد ، أتاني كتابك تعظني فيه ، وتذكرني وتنصح لي وتزجرني ، وتصف ما كنت عليه من الحق ، وما كنت أوثره من الصواب ، وأنا أسأل الله أن يجعلني من القوم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . وعبت على ما دنت به ، من إكفار القعدة وقتل الأطفال ، واستحلال الأمانة من المخالفين ، وسأفسر لك إن شاء الله . . . أما هؤلاء القعدة ، فليسوا كمن ذكرت ممن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ، ولأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلا ، ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقا ، وهؤلاء قد تفقهوا في الدين ، وقرأوا القرآن ، والطريق لهم نهج واضح . وقد عرفت ما قال الله تعالى فيمن كان مثلهم ، إذ قالوا : ( كنا مستضعفين في الأرض ) ( 1 ) فقال : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) ( 1 ) ، وقال سبحانه : ( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) ( 2 ) ، وقال : ( وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم ) ( 3 ) فخبر بتعذيرهم ، وأنهم كذبوا الله ورسوله ، ثم قال : ( سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ) ( 3 ) فانظر إلى أسمائهم وسماتهم . وأما الأطفال ، فإن نوحا نبي الله كان أعلم بالله منى ومنك ، وقد قال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) ( 4 ) ، فسماهم بالكفر وهم أطفال ، وقبل أن يولدوا ، فكيف كان ذلك

--> ( 1 ) سورة النساء 97 ( 2 ) سورة التوبة 81 ( 3 ) سورة التوبة 90 ( 4 ) سورة نوح 26 ، 27