ابن أبي الحديد
80
شرح نهج البلاغة
فقال : يا جرير أتيتنا بأمر ملفف ( 1 ) لتلقينا في لهوات الأسد ، وأردت أن تخلط الشام بالعراق ، وأطريت ( 2 ) عليا ، وهو قاتل عثمان ، والله سائلك عما قلت يوم القيامة . فأقبل عليه جرير وقال : يا شرحبيل ، أما قولك : إني جئت بأمر ملفف ، فكيف يكون ملففا وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار ، وقوتل على رده طلحة والزبير ! وأما قولك : إني ألقيك في لهوات الأسد ، ففي لهواتها ألقيت نفسك . وأما خلط أهل الشام بأهل العراق ، فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل . وأما قولك : إن عليا قتل عثمان ، فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد ، ولكنك ملت إلى الدنيا ، وشئ كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقاص . فبلغ ما قالاه إلى معاوية ، فبعث إلى جرير فزجره . قال نصر : وكتب إلى شرحبيل كتاب لا يعرف كاتبه ( 3 ) فيه : شرحبيل يا بن السمط : لا تتبع الهوى * فما لك في الدنيا من الدين من بدل ولا تك كالمجري إلى شر غاية * فقد خرق السربال واستنوق الجمل وقل لابن حرب : ما لك اليوم خلة * تروم بها ما رمت واقطع له الامل ( 4 ) شرحبيل : إن الحق قد جد جده * فكن فيه مأمون الأديم من النغل وأرود ولا تفرط بشئ نخافه * عليك ، ولا تعجل ، فلا خير في العجل ( 5 )
--> ( 1 ) أي جلب من هنا وهاهنا . ( 2 ) صفين : ( أطرأت ) ، وهما بمعنى : ( مدحت ) . ( 3 ) وقعة صفين : ( وكتب جرير إلى شرحبيل ) . ( 4 ) وقعة صفين : ( مالك اليوم حرمة . . . واقطع ) . ( 5 ) الإرواد : الامهال ، والفرط : السبق .