ابن أبي الحديد

76

شرح نهج البلاغة

وإياهم على كتاب الله ، فأما تلك التي تريدها فخدعه الصبي عن اللبن ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك ، لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان . واعلم أنك من الطلقاء ( 1 ) الذين لا يحل لهم الخلافة ، ولا تعرض فيهم الشورى . وقد أرسلت إليك [ وإلى من قبلك ] ( 2 ) جرير بن عبد الله البجلي ، وهو من أهل الايمان والهجرة ، فبايع ، ولا قوة إلا بالله . * * * فلما قرأ الكتاب ، قام جرير فخطب ، فقال : الحمد لله المحمود بالعوائد ، والمأمول منه الزوائد ، المرتجى منه الثواب ، المستعان على النوائب ، أحمده وأستعينه في الأمور التي تحير دونها الألباب ، [ وتضمحل عندها الأسباب ] ( 2 ) ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كل شئ هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بعد فترة من الرسل الماضية والقرون الخالية ، [ والأبدان البالية ، والجبلة الطاغية ] ( 2 ) ، فبلغ الرسالة ، ونصح للأمة ، وأدى الحق الذي استودعه الله ، وأمره بأدائه إلى أمته صلى الله عليه وسلم ، من رسول ومبتعث ومنتجب ( 3 ) . أيها الناس ، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده ، فكيف بمن غاب عنه ! وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور ، وكان طلحة والزبير ممن بايعاه ثم نكثا بيعته على غير حدث ، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن ، [ ألا وإن العرب لا تحتمل الفتن ] ( 2 ) ، وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس .

--> ( 1 ) الطلقاء : جمع طليق ، وهم الأسارى الذين أطلقهم الرسول عليه السلام يوم فتح مكة ولم يسترقهم . ( 2 ) تكملة من كتاب صفين . ( 3 ) المنتجب : المصطفى المختار .