ابن أبي الحديد
77
شرح نهج البلاغة
وقد بايعت الأمة ( 1 ) عليا ، ولو ملكنا والله الأمور ( 2 ) ، لم نختر لها غيره [ ومن خالف هذا استعتب ] ( 3 ) فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس . فإن قلت : استعملني عثمان ثم لم يعزلني ، فإن هذا قول لو جاز لم يقم لله دين ، وكان لكل امرئ ما في يديه ، ولكن الله جعل للآخر من الولاة حق الأول ، وجعل الأمور موطأة ينسخ بعضها بعضا ثم قعد . قال نصر : فقال معاوية : أنظر وتنظر ، وأستطلع رأى أهل الشام . فمضت أيام ، وأمر معاوية مناديا ينادى : الصلاة جامعة ! فلما اجتمع الناس صعد المنبر ، ثم قال : الحمد لله الذي جعل الدعائم للاسلام أركانا ، والشرائع للايمان برهانا ، يتوقد قبسه في الأرض المقدسة ، جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده ، فأحلهم أرض الشام ( 4 ) ، ورضيهم لها ، ورضيها لهم ، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه ، والقوام بأمره ، والذابين عن دينه وحرماته ، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما ، وفي سبيل الخيرات أعلاما ، يردع الله بهم الناكثين ، ويجمع بهم ألفة المؤمنين ، والله نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام ، وتباعد بعد القرب اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا ، ويخيفون آمننا ، ويريدون إراقة ( 5 ) دمائنا ، وإخافة سبلنا . وقد علم الله أنا لا نريد لهم ( 6 ) عقابا ، ولا نهتك لهم حجابا ، ولا نوطئهم زلقا ، غير أن الله الحميد كسانا
--> ( 1 ) صفين : ( العامة ) . ( 2 ) صفين : ( أمورنا ) . ( 3 ) من صفين . ( 4 ) صفين : ( فأحلها أهل الشام ) . ( 5 ) صفين : ( هراقة دمائنا ) ، وهما بمعنى . ( 6 ) صفين : ( لم نرد بهم عقابا ) .