ابن أبي الحديد

60

شرح نهج البلاغة

قال : وإنما أراد عثمان بالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين ، لأنه خاف أن يبلغ العدو قتله ، فيقال : قتلوا إمامهم وقتلوا ولده ولا يعرفون الحال في ذلك فيكون فيه شماتة ، وقد قال الشيخ أبو الحسين الخياط : إن عامة المهاجرين أجمعوا على أنه لا يقاد بالهرمزان ، وقالوا لعثمان : هذا دم سفك في غير ولايتك ، وليس له ، ولى يطلب به وأمره إلى الامام ، فاقبل منه الدية فذلك صلاح للمسلمين . قال : ولم يثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يطلبه ليقتله بالهرمزان ، لأنه لا يجوز قتل من عفا عنه ولى المقتول ، وإنما كان يطلبه ليضع من قدره ، ويصغر من شأنه . قال : ويجوز أن يكون ما روى عن علي عليه السلام من أنه قال : لو كنت بدل عثمان لقتلته ، يعنى أنه كان يرى ذلك أقوى في الاجتهاد ، وأقرب إلى التشدد في دين الله سبحانه . * * * اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام ، قال : أما قوله : لم يكن للهرمزان ولى يطلب بدمه ، فالامام يكون وليه ، وله أن يعفو عنه ، كما له أن يقتص ، فليس بمعتمد ، لان الهرمزان رجل من أهل فارس ، ولم يكن له ولى حاضر يطالب بدمه ، وقد كان الواجب أن يبذل الانصاف لأوليائه ويؤمنوا متى حضروا ، حتى إنه لو كان له ولى يريد المطالبة حضر وطالب . ثم لو لم يكن له ولى لم يكن عثمان ولى دمه ، لأنه قتل في أيام عمر ، فصار عمر ولى دمه ، وقد أوصى عمر على ما جاءت به الروايات الظاهرة بقتل ابنه عبيد الله إن لم تقم البينة العادلة على الهرمزان وجفينة ، ( 1 ) أنهما أمرا أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بقتله ، وكانت وصيته بذلك إلى أهل الشورى ، فقال : أيكم ولى هذا الامر فليفعل كذا وكذا مما ذكرناه ، فلما مات عمر ، طلب المسلمون إلى عثمان إمضاء

--> ( 1 ) جفينة ، كان نصرانيا من أهل الحيرة وكان ظئرا لسعد بن أبي وقاص ، أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم ، وليعلم بالمدينة الكتاب . تاريخ الطبري 5 : 42 .