ابن أبي الحديد
61
شرح نهج البلاغة
الوصية في عبيد الله بن عمر ، فدافع عن ذلك وعللهم ، ولو كان هو ولى الدم على ما ذكروا لم يكن له أن يعفو وأن يبطل حدا من حدود الله تعالى ، وأي شماتة للعدو في إقامة حد من حدود الله تعالى ! وإنما الشماتة كلها من أعداء الاسلام في تعطيل الحدود . وأي حرج في الجمع بين قتل الامام وابنه ، حتى يقال كره أن ينتشر الخبر بأن الامام وابنه قتلا ، وإنما قتل أحدهما ظلما ، والاخر عدلا ، أو أحدهما بغير أمر الله ، والاخر بأمره سبحانه ! وقد روى زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن أمير المؤمنين عليه السلام أتى عثمان ، بعد ما استخلف ، فكلمه في عبيد الله ولم يكلمه أحد غيره ، فقال : اقتل هذا الفاسق الخبيث الذي قتل أميرا مسلما ، فقال عثمان : قتلوا أباه بالأمس ، وأقتله اليوم ! وإنما هو رجل من أهل الأرض ، فلما أبى عليه مر عبيد الله على علي عليه السلام ، فقال : له إيه يا فاسق ! أما والله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لأضربن عنقك ، فلذلك خرج مع معاوية عليه . روى القناد ، عن الحسن بن عيسى بن زيد ، عن أبيه ، أن المسلمين لما قال عثمان : إني قد عفوت عن عبيد الله بن عمر ، قالوا : ليس لك أن تعفو عنه ، قال : بلى إنه ليس لجفينة والهرمزان قرابة من أهل الاسلام ، وأنا ولى أمر المسلمين ، وأنا أولى بهما ، وقد عفوت ، فقال علي عليه السلام : إنه ليس كما تقول ، إنما أنت في أمرهما بمنزلة أقصى المسلمين ، إنه قتلهما في إمرة غيرك ، وقد حكم الوالي الذي قتلا في إمارته بقتله ، ولو كان قتلهما في إمارتك لم يكن لك العفو عنه ، فاتق الله ، فإن الله سائلك عن هذا ! فلما رأى عثمان أن المسلمين قد أبوا إلا قتل عبيد الله ، أمره فارتحل إلى الكوفة ، وأقطعه بها دارا وأرضا ، وهي التي يقال لها : كويفة ( 1 ) بن عمر ، فعظم ذلك عند المسلمين وأكبروه ، وكثر كلامهم فيه .
--> ( 1 ) الكويفة ، ذكرها ياقوت ، فقال : ( كويفة ابن عمر منسوبة إلى عبيد الله بن عمر بن الخطاب ، نزلها حين قتل بنت أبي لؤلؤة والهرمزان وجفينة العبادي ) . معجم البلدان 7 : 304 .