ابن أبي الحديد
6
شرح نهج البلاغة
في أن الحق في غير حيزه ، لأنه لا يجوز أن يكون هو المصيب ، وجميع الأمة مبطل ، وإنما يدعى أنه على الحق لمن ينازع في إجماع من عداه ، فأما مع التسليم لذلك ، فليس يبقى شبهة ، وما نجد مخالفينا يعتبرون في باب الاجماع بإجماع الشذاذ والنفر القليل الخارجين من الاجماع ، ألا ترى أنهم لا يحفلون ( 1 ) بخلاف سعد ( 2 ) وأهله وولده في بيعة أبى بكر لقلتهم وكثرة من بإزائهم ، ولذلك لا يعتدون بخلاف من امتنع من بيعة أمير المؤمنين عليه السلام ، ويجعلونه شاذا ، لا تأثير بخلافة ( 3 ) ، فكيف فارقوا هذه الطريقة في خلع عثمان ! وهل هذا إلا تقلب وتلون ! * * * قلت : أما إذا احتج أصحابنا على إمامة أبى بكر بالاجماع ، فاعتراض حجتهم بخلاف سعد وولده وأهله اعتراض جيد ، وليس يقول أصحابنا في جوابه : هؤلاء شذاذ فلا نحفل بخلافهم ، وإنما المعتبر بالكثرة التي بإزائهم . وكيف يقولون هذا ، وحجتهم الاجماع ولا إجماع ولكنهم يجيبون عن ذلك بأن سعدا مات في خلافة عمر ، فلم يبق من يخالف في خلافة عمر ، فانعقد الاجماع عليها ، وبايع ولد سعد وأهله من قبل ، وإذا صحت خلافة عمر صحت خلافه أبى بكر ، لأنها فرع عليها ، ومحال أن يصح الفرع ، ويكون الأصل فاسدا ، فهكذا يجيب أصحابنا عن الاعتراض بخلاف سعد إذا احتجوا بالاجماع ، فأما إذا احتجوا بالاختيار فلا يتوجه نحوهم الاعتراض بخلاف سعد وأهله وولده ، لأنه ليس من شرط ثبوت الإمامة بالاختيار إجماع الأمة على الاختيار ، وإنما يكفي فيه بيعة خمسة من أهل الحل والعقد على الترتيب الذي يرتب أصحابنا الدلالة عليه ، وبهذا الطريق يثبت عندهم إمامة علي عليه السلام ، ولم يحفل بخلاف معاوية وأهل الشام فيها . * * *
--> ( 1 ) يقال : لم يحفل بالامر ، إذا لم يبال به . ( 2 ) هو سعد بن عبادة الأنصاري ، وانظر حديث السقيفة في تاريخ الطبري ( حوادث السنة الحادية عشرة ) . ( 3 ) ا ، ج : ( لا تأثير له ) .