ابن أبي الحديد
57
شرح نهج البلاغة
بما قاله مؤمن آل فرعون : ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب ) ( 1 ) ، قال : فأجابه عثمان بجواب غليظ ، لا أحب ذكره ، وأجابه عليه السلام بمثله ، قال : ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ، أو يكلموه ، فمكث كذلك أياما ثم أمر أن يؤتى به ، فلما أتى به وقف بين يديه ، قال : ويحك يا عثمان ! أما رأيت رسول الله صلى الله عليه ورأيت أبا بكر وعمر ! هل رأيت هذا هديهم ! إنك لتبطش بي بطش جبار ، فقال : اخرج عنا من بلادنا ، فقال أبو ذر : ما أبغض إلى جوارك ! فإلى أين أخرج ؟ قال : حيث شئت ، قال : فأخرج إلى الشام أرض الجهاد ؟ قال : إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها أفأردك إليها ! قال : أفأخرج إلى العراق ؟ قال : لا ، قال : ولم ؟ قال : تقدم على قوم أهل شبه وطعن في الأئمة قال : أفأخرج إلى مصر ؟ قال : لا ، قال : فإلى أين أخرج ؟ قال : حيث شئت ، قال أبو ذر : فهو إذن التعرب ( 2 ) بعد الهجرة ، أأخرج إلى نجد ؟ فقال عثمان : الشرف الأبعد أقصى فأقصى ، امض على وجهك هذا ، ولا تعدون الربذة . فخرج إليها . وروى الواقدي عن مالك بن أبي الرجال ، عن موسى بن ميسرة أن أبا الأسود الدؤلي ، قال : كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه ، فنزلت الربذة ، فقلت له : ألا تخبرني ؟ أخرجت من المدينة طائعا أم أخرجت مكرها ؟ فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين ، أغنى عنهم ، فأخرجت إلى مدينة الرسول عليه السلام ، فقلت : أصحابي ودار هجرتي ، فأخرجت منها إلى ما ترى ، ثم قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول الله صلى الله عليه ، فضربني برجله وقال : لا أراك نائما في المسجد ، فقلت : بأبي أنت
--> ( 1 ) سورة غافر 28 . ( 2 ) التعرب : الإقامة بالبادية .