ابن أبي الحديد

58

شرح نهج البلاغة

وأمي ! غلبتني عيني ، فنمت فيه ، فقال : كيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ فقلت : إذن ألحق بالشام ، فإنها أرض مقدسة ، وأرض بقية الاسلام ، وأرض الجهاد ، فقال : فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ فقلت : أرجع إلى المسجد ، قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت : آخذ سيفي فأضرب به ، فقال صلى الله عليه وآله : ( ألا أدلك على خير من ذلك ، أنسق معهم حيث ساقوك ، وتسمع وتطيع ) ، فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع ، والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي . وكان يقول بالربذة : ما ترك الحق لي صديقا . وكان يقول : فيها ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا . والاخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصر وأوسع من أن نذكرها . وما يحمل نفسه على ادعاء أن أبا ذر خرج مختارا إلى الربذة إلا مكابر . ولسنا ننكر أن يكون ما أورده صاحب كتاب ، ، المغني ، ، من أنه خرج مختارا قد روى ، إلا أنه من الشاذ الناذر . وبإزاء هذه الرواية الفذة كل الروايات التي تتضمن خلافها ، ومن تصفح الاخبار علم أنها غير متكافئة على ما ظن صاحب ، ، المغني ، ، وكيف يجوز خروجه عن اختيار ! وإنما أشخص من الشام على الوجه الذي أشخص عليه : من خشونة المركب ، وقبح السير به للموجدة عليه . ثم لما قدم منع الناس من كلامه ، وأغلظ له في القول ، وكل هذا لا يشبه أن يكون خروجه إلى الربذة باختياره . وكيف يظن عاقل أن أبا ذر يختار الربذة منزلا مع جدبها وقحطها وبعدها عن الخيرات ، ولم تكن بمنزل مثله ! فأما قوله : إنه أشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه من حيث كان يغلظ لهم القول ، فليس بشئ ، لأنه لم يكن في أهل المدينة إلا من كان راضيا بقوله ، عاتبا بمثل عتبه ، إلا أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه ، ومخف ما عنده ، وما في أهل المدينة إلا